فكان لا يأكل حتى يذهب من كل واحد ستة ويقول: لولا أخاف الهلاك كنت لا آكل حتى تفنى السبعة أجزاء، فاعلم ذلك، والحمد لله رب
العالمين.
ومن أخلاقهم - رضي الله تعالى عنهم-: تقديمهم السلامة على الغنيمة من حيث رفض الدنيا وفراغ يدهم منها، فكانوا يقدمون فراغ يدهم من الدنيا على جمعها وإنفاقها في سبيل الله تعالى خوفا أن يمنعوا منها حقها حتى كان أحدهم يقول: يا طالب الدنيا لتبر بها غيرك تركك لهما أبر وأبر
وكان الجنيد- رحمه الله - يقول: تجديد العبد من الدنيا أفضل من جمعها وإنفاقها. وقد كانوا إذا قيل لأحدهم: خذ هذه الدراهم ففرقها على المساكين يأبى ذلك ويقول: إن من جمعها أولى بتفريقها، وربما يكون فيها حرام وشبهة، فتكون الهنأة للفقراء، والتبعة على من فرق. وكان الحسن البصري - رحمه الله تعالى - يقول: إن من تفرغ لعبادة ربه أفضل ممن تركها وسعي على عياله، وقد كان إبراهيم بن أدهم - رحمه الله تعالى - يقول: إن بينكم وبين القوم بعدا أقبلت عليهم الدنيا ففروا منها، وأدبرت عنكم فتبعتموها، وكان الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى - يقول: تجرع مرارة الدنيا أشد من تجرع مرارة الصبر.
وكان مالك بن دينار - رحمه الله تعالى - يقول: لا يبلغ أحد منازل الصديقين حتى يترك زوجته كأنها أرملة وأولاده كأنهم يتامي. وقد بلغنا أن عيسى عليه الصلاة والسلام مر ليلة على شخص نائم والناس قائمون يصلون فقال له: قم فصل، قال له: إني قد عبدت الله تعالى بأفضل العبادة، فقال له عيسي: وما هي؟ قال: قد عبدت الله بأفضل العبادة وهو أني زهدت في الدنيا، فقال له عيسي: نم فقد فقت العابدين. ومن أدلة القوم في هذا الخلق ما ورد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
خرج يوما على أهل الصفة - زلوم - فقال:
أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان فيأتي بناقتين كوماوتين؟ فقالوا: كلنا نحب ذلك يا رسول الله، فقال - صلى الله عليه وسلم: لأن يترك أحدكم ذلكم ثم