فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 319

دعواه المحبة له، ولم يلحق لما عنده من عدم الصدق ولا يكذبونه قط في دعواه، وكذلك لا يمتنع قط من تقريبه إذا طلب منه القرب، فإن ذلك يزيده عداوة وتعظيما للفتنة لكن يحتاج هذا المخالط للعدو إلى حفظ جوارحه من سائر المخالفات لأن العدو ربما كان قصده من المخالطة إطلاعه على عورة أخيه ليصير يهجوه بذلك في المجالس أيام ظهور عداوته له كما هو واقع كثيرا، فليكن المخالط لعدوه على حذر، ولا يخالط إلا من يعتقد فيه الصداقة والمحبة، فإن البعد من العدو أولي لكل من لم يكن عنده كمال سياسة وكثرة دين. فاعلم ذلك، والحمد لله رب العالمين.

ومن أخلاقهم - رضي الله تعالى عنهم- رؤية محاسن الناس، والتعامى عن مساويهم حتى إن أحدهم لا يكاد يرى في أخيه المسلم عيبا يهجوه به أبدا، ويصير الناس كلهم عنده صالحين، فعلم أن الصالحين لا يعادون أحدا لحظ النفس، وإنما الناس هم الذين يعادونهم حسدا وعدوانا. فإن قيل إن صاحب هذا المقام يقل نفعه لأصحابه من حيث عدم النصح، والتحذير من المنكر، فيصير هذا مرتكبا للمعاصي على الدوام، ولا يهتدي لتحذيره عنها لعدم شهودها فيه إذ حمله على المحامل الحسنة، فالجواب أنه يهتدي للتحذير بالإلهام الصحيح بواسطة رابطته

به، أو بقياسه على نفسه ويقول: كما أني أرتكب المعاصي مثلا، فكذلك أخي قد لا يخلو منها، فإن ما جاز في حقي جاز في حق غيري، ومعلوم عند القوم أن ذكرهم نقائص إخوانهم لا يكون إلا على وجه التحذير دون التشفي لبراءتهم عن مثل هذا الفعل لأن الكامل يکني عند القوم أبا العيون، فلكل شيء عنده عين يراه فيشهد ملامة أخيه من النقائص کالرياء والنفاق ونحوهما بعين، ويحتاط له كاحتياط من يتهمه النقائص فعلا أو تقديرا بالعين الأخرى، ويحذره منها بالعين الأخرى والله أعلم.

ومن أخلاقهم - رضي الله تعالى عنهم-: كثرة شكرهم الله تعالي إذا كثر حسادهم وأعداؤهم، ثم كثرة استغفارهم بعد ذلك، فيشكرون الله تعالى على تلك النعمة التي حسدهم الناس عليها ويستغفرونه عز وجل من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت