يسامحهم بمثل ذلك، وكان آخر من أدركته على هذا القدم سيدي الشيخ تاج الدين الذاكر - رحمه الله تعالى - فإنه أخبر أصحابه ليلة وفاته أن له سبعًا وعشرين سنة ما وضع جنبه إلى الأرض، وكذلك سيدي الشيخ أبو السعود الجارحي - رحمه الله - وقد كان على هذا القدم من السلف عمر بن عبد العزيز، وبشر الحافي، ومحمد بن إسماعيل البخاري، والإمام أحمد بن
حنبل، والإمام أبو حنيفة، ورابعة العدوية، والأوزاعي، وجماعة ذكرناهم في الطبقات - وكان عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - إذا غلبه النوم يقوم فيجول في الدار وينشد قوله:
وكيف تنام العين وهي قريرة ... ولم تدر في أي المحلين تنزل
وكذلك كانت رابعة العدوية، وشعوانة، وفاطمة الرملية - رحمة الله عليهن - كن يقلن: نخاف أن نؤخذ على بغتة، فعلم أن كل من ادعى الصلاح، ونام في الأسحار بلا عذر فهو كاذب، فاعلم ذلك. والحمد لله رب العالمين.
ومن أخلاقهم - رضي الله تعالى عنهم- رقة قلوبهم، وكثرة بكائهم على تفريطهم في حقوق الله تعالى لعل الله أن يرحمهم، وكان على هذا المقام الإمام أبو بكر الصديق رضي الله عنه وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأبو الدرداء رضي الله عنه - وكان لعمر بن الخطاب رضي الله عنه خطان أسودان في وجهه من مجري الدموع، وكذلك عبد الله بن عباس رضي الله عنه وكذلك كان لعمر بن عبد العزيز ويزيد الرقاشي، والفضيل بن عياض، وبشر الحافي، ومعروف الكرخي رضي الله عنه
وكان يزيد الرقاشي - رحمه الله - إذا دخل بيته يبكي، وإذا قدم إليه الطعام بكي، وإذا جلس إليه إخوانه بكى وأبكاهم ويقول: وهل خلقت النار الالمثلى، وكان عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - طول ليله يبكى، ويجول في داره، ويصرخ إلى الصباح، وكثيرا ما يقع مغشيا عليه، وكان يصلي في سطح غرفته فيبكى في سجوده حتى تجرى دموعه وتتقاطر من الميزاب على النائمين تحته حتى كانوا يظنون أنها سحابة مارة فأمطرت عليهم.