تفعل ذلك، أو تقول للمشترى: هذا رخيص أو مليح مثلا، بل بعه وأنت ساکت. وقد دخل الفضيل بن عياض - رحمه الله تعالى - السوق ليشتري الأولاده خبزا، فرأى الخبار يسبح الله ويهلله، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم عند بيعه الخبز فأبى الفضيل أن يشتري منه، وطوى هو وأولاده حتى لقي من الغد شخصا يبيع الخبز وهو ساكت، فاشترى منه فقيل له: إن هذا أمر سهل يا أبا على، فقال: إن سهلكم هذا أخاف أن يوردني النار. وكان يونس بن عبيد - رحمه الله تعالى - يبيع البرد والأكسية فإذا كان يوم غيم لا يبيع ولا يخرج بها إلى السوق، فسئل عن ذلك؟ فقال: إن المشترى ربما يرى ما يراه حسنا في الغيم وهو معيب.
وقد كان الأصمعي - رحمه الله تعالى - يقول:
من طلب من الفقهاء الرخصة عند المشتبهات فعلمه زاده إلى النار. وقد اشترى أبو على النجوراني - رحمه الله تعالى - قميصا ولبسه، فقال له شخص: إني اشتريت هذا الثوب وفيه درهم من شبهة. قال: فدخل الماء وتعرى من القميص، وقال: من يتصدق على بثوب حتى أخرج من الماء؟ فألقوا عليه ثوبا. انتهى.
فانظر يا أخي في هذا الخلق، وفتش نفسك، واتبع سلفك في الورع، واترك دعوى الصلاح إذ لم تفعل ذلك فإن من لا ورع عنده فهو من الفسقة عند المتورعين ليس له نصيب في مقامهم والحمد لله رب العالمين.
ومن أخلاقهم - رضي الله تعالى عنهم-: التودد والسكينة والوقار، وقلة الكلام، وذلك لكمال عقولهم وكثرة تجاربهم لأهل عصورهم. ومن كلام أمير المؤمنين علي قوله: ينتهي طول العيد في اثنتين وعشرين سنة، وينتهي عقله في ثمان وعشرين سنة، وما بعد ذلك إلى آخر عمره إنما هو تجارب.
فعلم أن كل من كان قليل العقل لا يصلح أن يكون داعيا إلى الله تعالى لأن الذي يفسده أكثر من الذي يصلحه، وفي الحديث: كرم الرجل