مع أن الشيخ شمس الدين المذكور كان قد أعطى من الجاه، والاعتقاد والعلم والصلاح عند الملوك، فمن دونهم ما لم نر أحدا أعطى مثله من أقرانه حتى إني رأيته بين القصرين يوما، والناس يزدحمون عليه لتقبيل يديه، ومن لم يصل إليه نشر رداءه وحذفه عليه حتى يصيب من ثياب الشيخ، ثم يصير يقبل ذلك الرداء كما يفعل الناس ذلك بكسوة الكعبة حين تمر عليهم بالقاهرة، فرضي الله تعالى عن أهل الأدب. فاعلم ذلك واقتد بهم، والحمد لله رب العالمين.
ومن أخلاقهم - رضي الله تعالى عنهم- عدم شهودهم في نفوسهم أن لهم نوافل من العبادات، ولو قاموا حتى تورمت أقدامهم، وإنما يرون ذلك كالجابر لبعض النقص الحاصل في فرائضهم إذ النوافل حقيقة إنما تكون لمن كملت فرائضه كما أشار إليه قوله سبحانه وتعالى: ومن الليل فتهجد به نافلة لك، فذكر تعالى أنها نافلة له لكمال فرائضه -صلى الله عليه وسلم - إذ هو معصوم من النقص في عباداته كما ذكر الحافظ الجلال السيوطي - رحمه الله - في الخصائص وغيره أيضا، وإن قدر أن أحدا من الأولياء أتي بعبادته على الكمال، فذاك بحكم الإرث لرسول الله صلى الله عليه وسلم -، وقد رأيت في كلام بعض العلماء أن الملائكة عليهم الصلاة والسلام لا تعرض على الله تعالي صلاة أحد إلا بعد تكملتها له من نوافله أدبا مع الله تعالى، وقد فعل جماعة الملوك مثل ذلك فيمن كان ببدنه عاهة مثلا، فلا يعرضونه على السلطان أبدا صيانة له أن يقع بصره على ناقص، وإن حدث ذلك في وزير أو دفتردار أو نحوهما عزلوه، واستنابوا غيره، وماجعله الناس أدبا مع الملوك، فهو أدب مع الله تعالى، فإن الشرع قد يتبع العرف في كثير من المسائل كما هو معلوم
فاعلم ذلك يا أخي، واعمل عليه، والحمد لله رب العالمين.
ومن أخلاقهم - رضي الله تعالى عنهم-: عدم استشراف نفوسهم إلى هدية أحد جاء من الحجاز أو من الشام مثلا، فلا يحدث أحدهم نفسه بأن فلانا سيهدي إليه شاشا أو مداستا أو فاكهة أو نحو ذلك