وأما العارف فلا حزن عليه ولا خوف، وهذا من زيادة الجهل، فإن الأكابر قد درجوا كلهم على توالي الحزن إلى أن ماتوا، ولكن يحمل قول من قال من الأكابر: إن العارف لا حزن عليه - أي على فوات أمور الدنيا -، وأما الآخرة فترك حزنهم على فواتها مذموم، فقد ورد في الحديث أن الله تعالي يحب كل قلب حزين يعني على فوات حظه من الله تعالى في الآخرة. وكان موسي بن سعيد - رحمه الله تعالى، يقول: لقاح العمل الصالح الحزن، وكان مالك بن دينار - رحمه الله تعالى - يقول: إن القلب إذا لم يكن فيه حزن خرب كما أن البيت إذا لم يكن فيه ساكن خرب. وكان الحسن البصري - رحمه الله تعالى - يقول: والله ما يسع المؤمن في الدنيا إلا الحزن وكان داود الطائي - رحمه الله تعالى - يقول: كيف لا يحزن في الدنيا من تتجدد عليه المصائب في كل ساعة يعني الذنوب.
ولما مات الفضيل بن عياض - رحمه الله تعالى - قال وكيع - رحمه الله - قد ارتفع الحزن البالغ اليوم من الأرض، وكان عبد الواحد بن زيد - رحمه الله تعالى - يقول: لو رأيتم الحسن البصري - رحمه الله تعالى - لقلتم: إن الله تعالى قد بث عليه حزن الخلائق أجمعين من طول تلك الدمعة وتواصل النشيج. وكان الربيع بن خيثم - رحمه الله تعالى - يقول: ليس أحد أشد هما في الدنيا من المؤمن لأنه شارك أهل الدنيا في المعايش، وزاد عليهم باهتمامه بأمر الآخرة، وقد كان الحسن البصري - رحمه الله تعالى - لا يراه أحد إلا ظن أنه قريب عهد بمصيبة لما به من شدة الحزن وكذلك أصحابه.
وقد كان هرم بن حبان - رحمه الله تعالى - لم يزل مهموما الشهر والدهر، فإذا قيل له في ذلك يقول: ومن أولى منى بذلك وأنا لا أعرف ماذا إليه مصيري. اه.
فعليك يا أخي بالحزن حتى لا تجد لك وقتا تتفرغ فيه لشيء من شهوات نفسك في الدنيا وإلا فأنت مغرور، فانتبه يا أخي، والحمد لله رب العالمين.
ومن أخلاقهم - رضي الله تعالى عنهم-: عدم الاغترار بالله تعالي بحيث يعتمد أحدهم على عفو الله ويترك الأعمال الصالحة، بل