قلت: ولعل مراده - رحمه الله - بالرحمة التي دخلت قلبه فتح باب سؤاله ربه أن يرضي عنهم لا التحجير على الحق تعالي في غضبه عليهم، فإن الكامل من شأنه أن يغضب لغضب الحق، ويرضى لرضاه عز وجل، وقد كان حبيب هذا - رحمه الله - معدودا عند التابعين من غلبت عليه أجوال الفقراء، وأرباب الأحوال لا يقتدي بأفعالهم عند أهل الطريق، فإن الله تعالي أرحم بعباده من حبيب هذا، والله أعلم.
وكان منصور بن محمد - رحمه الله تعالى - يرحم الرجل أن يأمره بأمر، ويقول: أخاف أن يخالف أمري فيأثم ويقع في العقوبة، وأكون أنا السبب، وكان سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى - يقول: لولا أن يأثم الناس في لقلت: إن من يغتابني ويذمني أحب إلى من يمدحني، لأن المادح لي قد يكذب، وقد كان شفيق البلخي - رحمه الله تعالى - يقول: من لم يرحم الرجل السوء، فهو أسوأ حالا منه، ومن ذكر عنده رجل صالح فلم يجد لذكره حلاوة، فهر رجل سوء، وكان ميمون بن مهران - رحمه الله تعالى - إذا سمع بقوم ظلموا في بعض أقطار الأرض بمرض لأجلهم حتى يصير يعاد كما تعاد المرضى، فإذا قيل له: قد فرج الله عنهم يزول مرضه لوقته، وقد كان ثابت البناني - رحمه الله تعالى - إذا سأله أحد حاجة يصير لا يصلي صلاة إلا دعا له في سجوده حتى تقضي حاجته، وقد رد شريك - رحمه الله تعالي - نملة فارسية رآها في سفرته من مقدار أربعة فراسخ رحمة لها، وكان - رحمه الله تعالى - يفت الخبز للنمل، ويدر لهم الدقيق على بيوتهم، وكان أبو الدرداء - - يشتري العصافير الصغار التي يمسكها الأطفال، ويرسلها إلى عشها، وكذلك الأمهات يرسلها إلى أولادها إذا صيدت.
قلت: وليس هذا من باب تسييب السوائب وإنما الغرض رحمة الأم أو الولد والله أعلم، وكان معاوية إذا سأله أحد في حاجة فقضى بعضها يحس بتخفيف الهم بقدرها من شدة ارتباطه بإخوانه - رحمه الله تعالي .. اه.