وكان سعد بن كدام - رحمه الله تعالى - يقول: لا أعرف اليوم بقي من الحلال إلا ما يشربه الرجل من الدجلة أو النيل بكفه. قال: وطلب رجل الحلال فما صفا له إلا الحشيش الذي على حافات الأنهار، فصار يأكل منه
حتى اخضر جلده ثلاثين سنة، فإذا هو بهاتف يقول له: الآن قد صفا لك أكل الحلال، وخلصت من الحرام. قال: وامتنع بعضهم من الأكل مما يدخل أيدي بني آدم، ثم ذهب إلى البرية يأكل من حشيشها فنودي في سره هب أنك تتورع من اليوم، فما تفعل في القوة التي اكتسبتها حتى مشيت إلى هنا، فانظر من أين حصلتها.
وقد سُئل مالك بن دينار - رحمه الله تعالى - عن نبيذ الجرار فقال: للسائل ويحك انظر إلى الثمر من أين هو قبل أن ينبذ في الماء. وكان إبراهيم ابن أدهم - رحمه الله تعالى - يقول: رأيت عابدا يقوم إلى الصلاة بثقل، فنظرت فإذا هو من عدم صفاء مأكله، ولو أنه أكل حلالًا لم يحصل له ثقل. وكان سفيان الثوري - رحمه الله - إذا ذهب إلى وليمة أخذ معه رغيفا يأكل منه، فإذا قال له صاحب الوليمة: هل لا تأكل من خبزي يا سيدي؟ يقول له: إنك تدري خبزك من أين هو؟ وأنا أدري خبزي من أين هو، فكل واحد يأكل مما يدري.
قلت: وممن أدركته من أصحاب هذا المقام سيدي الشيخ محمد بن عنان كان - رحمه الله تعالي - إذا دعي إلى وليمة يأخذ معه رغيفا يأكل منه إذ نصب السماط. وقد سئل سفيان الثوري عن فضل الصف الأول؟ فقال: انظر رغيفك من أين هو، فكله وصل في أي صف شئت ولا حرج عليك، وكان عبد الله بن عباس الله يقول: لا يقبل الله صلاة العبد وفي جوفه شيء من الحرام، وكان السري السقطي - رحمه الله تعالى - يقول: النجاة في الثلاث، سبيل الهدى، وكمال التقى، وطيب الغذاء، وكان وهيب بن الورد - رحمه الله - يقول: لو صمت وصليت حتى صرت مثل هذه السارية ما ينفعك ذلك إلا بعد أن تنظر ما يدخل جوفك، واعلم أن دليل القوم في هذا الخلق قوله تعالى: (( كلوا من الطيبات واعملوا صالحًا ) )، [المؤمنون: 51]