فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 319

القوم غافل عن تذكر الموت لحديث: «ومن أراد الآخرة ترك الدنيا» ، وفي الحديث أيضا: «عودوا المريض واتبعوا الجنائز تذكركم الآخرة» ، يعني وإذا ذكرتم الآخرة زهدتم في ملاذ الدنيا.

وقد كانوا إذا حضروا جنازة يستغرقون في التفكر في ذكر الموت وأحوال الناس في القبور حتى يظل أحدهم محزونا الأيام المتوالية يعرفون ذلك الحزن في وجهه. وقد كان يحيى بن أبي كثير - رحمه الله تعالي - إذا شيع جنازة يرجعون به في النعش لا يستطيع المشي ولا الركوب، ويمكث الأيام لا يقدر أحد أن يكلمه من شدة خوفه. وقد كان أهل الزمن الأول يستحبون خفض الصوت عند الجنازة، ويزجرون من يرفع صوته، ويقولون له: ما أنت إلا جبار أما في رؤيتك للموت موعظة. قلت: وإنما سكت العلماء عن رفع الصوت بالذكر والصلاة على النبي - - حتى علموا كثرة لغط الناس في الجنائز فرأوا أن ذكر الله تعالى أولى من حديث الدنيا من باب ظلم دون ظلم، والله تعالى أعلم

وقد رأي عبد الله بن مسعود - - رجلا يضحك في جنازة فزجره ثم هجره أياما، قال: ورأى الحسن البصري - رحمه الله تعالي - رجلا يأكل في المقبرة فزجره، وقال له: إنك منافق. وكان الأعمش - رحمه الله تعالى - يقول: كنا نحضر الجنائز فلا ندري من نعزي من شدة عموم الحزن للقوم وبكائهم. وقد كان حاتم الأصم - رحمه الله تعالي - يقول: مداواة القلب، بحضور الجنائز فريضة. وكان إبراهيم الزيات - رحمه الله تعالى - إذا رأى أحدا يبكي في الجنازة يقول له: ابك على نفسك يا أخي، وترحم عليها، فإن هذا الميت قد نجا من ثلاث: رأي ملك الموت - عليه السلام، وذاق حرارة الموت، وأمن من سوء الخاتمة بخلافك أنت. إه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت