وعملا بحديث:"طوبي لمن شغله عيبه عن عيوب الناس"، وأيضا فإن المطلع على عيوب الناس معدود من جملة الشياطين أى البعداء من رحمة الله تعالى وأهل الله لا يرضون لنفوسهم أن يكونوا كذلك. وقد كان زيد القمي - رحمه الله تعالى - يقول: قرأت في بعض الكتب الإلهية: يا ابن ادم جعلت لك مخلاتين مخلاة أمامك، ومخلاة خلفك، فالمخلاة التي خلفك فيها عيوبك، والمخلاة التي أمامك فيها عيوب الناس، فلو نظرت إلى التي خلفك لشغلتك عن التي أمامك.
وكان - رحمه الله تعالى - يقول: يتيقن أحدكم عيوب نفسه، ومن ذلك يحبها، ويبغض أخاه المسلم على الظن فأين العقل؟ وكان بكر بن عبد الله المزني - رحمه الله تعالى - يقول: إذا رأيتم الرجل موكلا بعيوب الناس، فاعلموا أنه عدو الله، وأن الله قد مكر به، وكان بشر الحافي - رحمه الله تعالى - يقول: عجبا للناس يقع أحدهم في عرض أخيه وهو غائب، فإذا حضر أظهر محبته وسارع إلى مدحه، فمن زعم أن الله تعالى يحبه وهو يقرض في أعراض الناس فهو كاذب لأنه شيطان، والشيطان عدو الله، وكان يحيي بن معاذ - رحمه الله تعالى - يقول: من عقل العاقل أن لا يعير أحدا بذنب، فإنه ربما عيرت أحدا بذنبه، فابتليت بذلك الذنب بعد عشرين سنة. وقد بلغنا أن عيسي -عليه السلام- كان يقول: لا تنظروا في عيوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا في عيوبكم لأنكم عبيد، فإن الناس رجلان مبتلي ومعافى، فارحموا أهل البلاء، واشكروا الله على العافية.
وقد كانت رابعة العدوية - رحمها الله - تقول: إن العبد إذا ذاق محبة الله تعالى أطلعه على مساوئ عمله، فشغله بها عن مساوئ الناس. وكان مجاهد - رحمه الله تعالى - يقول: لو بغى جبل على جبل لهدّ الباغي منهما. قلت: ومما ينبغي التفطن له احتساب العبد بالله تعالى على من ظلمه، فإنه يهلکه بذلك، وإن هذا أعظم في هلاكه من مقابلته بالبغي عليه