الحديدي، وجماعة رضي الله عنهم أجمعين. وكانوا لايتكلفون للضيف خوفا أن يضجروا منه إذا أتاهم مرة أخرى، ويقولون: من كان يطعم ضيفه ما يجد فلا يبالي به أي وقت جاء، وقد سئل عبد الله بن المبارك - رحمه الله تعالي - عن مناولة الضيوف الطعام لغيرهم. فقال: إن كان لبعضهم فلا بأس، وأما للأجنبي فلا.
وكان بكر بن عبد الله المزني - رحمه الله تعالى - يقول: من دعى إلى طعام فذهب معه بآخر استحق لطمة، فإن قيل له: اجلس ههنا فقال: بل ههنا استحق لطمتين، فإن قال لصاحب الدار: ألا تأكل معنا أستحق ثلاث الطمات أي لأن ما فعله في الثلاث خصال فضول منه. وكان محمد بن سيرين - رحمه الله تعالى - يجتهد أن يطعم الضيف من شيء لم يكن عند ذلك الضيف، ولا في بلده. قال خالد بن دينار - رحمه الله - دخلت على محمد بن سيرين - رحمه الله تعالى - ومعي رفقة، فأخرج إلينا شهدا. وقال: إن مثل هذا ليس هو عندكم؟ قلنا: نعم، وكان ميمون بن مهران - رحمه الله تعالى - يقول: من أطعم ولم يتمر أي لم يطعم الضيف تمرا أو شيئا حلوا كان كمن صلى العشاء ولم يوتر. واعلم أن الواجب على المضيف أن يطعم الضيف من الحلال، وأن يعلمه بمواقيت الصلاة، ولا يقصر عما قدر عليه من الدسم، وحسن المطعم، وأن الواجب على الضيف أن يجلس حيث أجلسوه، وأن يرضى بما إليه قدموه، وأن لا يخرج حتى يستأذن. وكان أوس بن خارجة يقول: ما دعوت قط نفرا إلى طعامي وأكلوه إلا ورأيت الفضل والمنة فيهم على أكثر من منتي عليهم.
وكان حامد اللفاف - رحمه الله تعالى - يقول: من علامة المتفعل في الزهد أنه إذا استضافه أحد يذكر له سخاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وإن أضاف هو أحدا يذكر له زهد عيسى عليه الصلاة والسلام، وقد كان الأصمعي - رحمه الله تعالى - يقول: إذا أستضافك بخيل، فبادر إليه وعلمه الكرم، ولا تأكل له طعاما، وإياك أن تنسي دابتك من العلف، فإنه ربما فرط في عشائها. وكان يقول: ما استضفت عند بخيل إلا وصاحت دابتي جوعا،