أقرانك على نفسك بقلبك، وترجو رحمته، وتطلب دعوته، وتظن أن الله تعالى يدفع عنك البلاء بتوسلك به، فهذا هو التواضع الأكبر. وقد بلغنا أن عيسي - عليه الصلاة والسلام- كان يقول: أحق الناس بخدمته للناس العالم، وكان مالك بن دينار - رحمه الله تعالى - يقول: لو أن مناديا ينادي بباب المسجد ليخرج شركم رجلا ما سبقني أحد إلى الباب إلا أن يكون له فضل قوة عليّ.
وكان حاتم الأصم - رحمه الله تعالى - يقول: لا يخرج الله تعالى المتكبر من الدنيا حتى يريه الهوان من أرذل خدمه وجيرانه، ويتمرغ في بوله وقذره قبل الموت. وكان أبو تراب النخشبي - رحمه الله تعالى - يقول: تحقير الفقير هو عين الكبر، وكذلك الوقوع في حق الفقراء من أخلاق الكلاب، وقد دخل أبو سلمان يوما على عبد الملك - رحمهما الله تعالى - فوقف بعيدا، فقال له: لم وقفت بعيدا يا أبا سلمان؟ فقال: لأن أدعى من بعيد أحب إلي من أن أدفع من قريب. وكان عمر بن عبد العزيز قبل أن يلي الخلافة - رحمه الله تعالى - يلبس الحلة بألف دينار ويقول: ما أجودها لولا خشونة فيها، فلما استخلف كان يلبس الحلة بخمسة دراهم، ويقول: ما ألينها وأجودها فقيل له في ذلك؟ فقال: إن نفسي كانت تطلب الرفعة، فلما وليت الخلافة وهي أرفع مقام عند أهل الدنيا طلبت نفسي ما عند الله تعالي وزهدت في الدنيا، قالوا: وكان رضي الله عنه - لا يسجد على فرش بل على التراب. وكان عبد الله الرسمي - رحمه الله تعالى - يقول: لم يفرض الله تعالى الركوع والسجود بالأصالة إلا على المتكبرين مثلي ومثل فرعون ونمرود وأنو شروان.
وكان يحيى بن خالد - رحمه الله تعالى - يقول: الشريف إذا تعبد تواضع بخلاف الدنيء، وقد كان أبو هريرة -رضي الله عنه - وهو أمير المدينة في أيام مروان يحمل حزمة الحطب من السوق على رأسه، ويمشي يقول: أوسعوا لأميركم، وكان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه - يسرع في المشي ويقول: هو أبعد من الزهو والعجب، وأسرع إلى قضاء الحاجة. وكان عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى - يخدم الضيف بنفسه، ويصلح له السراج في الليل، ولا