أحدهم علما ازداد في الدنيا رغبة، وكثرة لأمتعتها من لباس ومطعم ومسكن ومنكح ومرکب وخدم ونحو ذلك.
وكان سفيان بن عيينة - رحمه الله تعالى - يقول: كيف يكون حامل القرآن عاملا به وهو ينام الليل، ويفطر النهار، ويتناول الحرام والشبهات. وكان عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى - يقول: لو أن هؤلاء القراء أحياء لوجدوا ألم النار في بطونهم إذا أكلوا الحرام ولكنهم أموات يرتعون في الجيف والنار. وقد كان منصور بن المعتمر - رحمه الله تعالى - يقول لعلماء زمانه: إنكم لستم علماء، وإنما أنتم متلذذون بالعلم يسمع أحدكم المسألة ويحكيها للناس، ولو أنكم عملتم بعلمكم لتجرعتم المرارات والغصص، ولحثكم علمكم على التورع حتى لا يجد أحدكم رغيفا يأكله.
وكان الربيع بن خيثم - رحمه الله تعالى - يقول: كيف يصح للعالم أن يرائي بعلمه وهو يعلم من نفسه أن تعلمه لغير الله وذلك حابط من أصله، فكيف يرى نفسه على الناس بما هو حابط. وقد كان الإمام النووي - رحمه الله تعالي - إذا دخل عليه أمير على غفلة وهو يدرس في العلم في المدرسة الأشرفية أو جامع بني أمية يتكدر لذلك، وإذا بلغه أن أحدا من الأكابر قد عزم على زيارته في يوم درسه لا يدرس العلم ذلك اليوم خوفا أن يراه ذلك الأمير وهو في محفله ودرسه العظيم، ويقول: من علامة المخلص أن يتكدر إذا اطلع الناس على محاسن عمله كما يتكدر إذا اطلعوا على مساويه، فإن فرح النفس بذلك معصية، وربما كان الرياء أشد من كثير من المعاصي، وكان الحسن البصري - رحمه الله تعالي - يقول: قبيح بالعالم أن يشبع في هذا الزمان من الحلال، فكيف بمن يشبع من الحرام؟ والله لو أني أكلت أكلة وصارت في بطني کالآجرة تكفيني حتى أموت، فقد قيل إنها تمكس في الماء أكثر من ثلاثمائة سنة. وكان يقول: ورع العلماء إنما هو في ترك تناول الشهوات. أما المعاصي الظاهرة فتراهم يتركونها خوفا أن تذهب عظمتهم من قلوب الناس، وكان - رحمه الله تعالى - يقول: بلغني أنه يأتي في آخر الزمان رجال يتعلمون