عصوا ربهم، ولا تبغض نفسك إذا عصت ربها. قلت: المراد ببغض الإنسان نفسه معاقبتها بالجوع والعطش، وعدم النوم على فراش ونحو ذلك فيعاملها معاملة الشخص لمن يكره بالغضب، وعدم الشفقة لا كمعاملة المحب لمحبوبه. وقد قال الشيخ أبو يزيد البسطامي - رضي الله عنه: دعوت نفسي إلى العبادة مرة فأبت، فعاقبتها فمنعتها الماء سنة، وكان المداينى يقول: أقبح المكافأة المجازاة بالإساءة، وكان التيمي يقول: كثرة الاحتمال تورث المحبة. قال: أدخلوا على ابن الزبير رجلًا: قد أحدث أي أذنب فدعا بالسياط ليضربه، فقاله له الرجل: أسألك بمن تكون يوم القيامة بين يديه أذل مني بين يديك إلا عفوت عني، فنزل ابن الزبير عن سريره، وألصق خده بالأرض، وقال: قد عفوت. قلت: ولعل تركه للتأديب على من أقسم عليه لعذر شرعي كأن خاف من إقامته مفسدة أعظم من إقامته التأديب عليه والله أعلم.
وسئل قتادة: من أعظم الناس قدرا؟ قال: أكثرهم عفوا.
وسرقت امرأة مصحف مالك بن دينار وملحفته فجعل يتبعها: أنا مالك خذي الملحفة وهاتي المصحف لا تخافي. وكان أبو سعيد المقبري يقول: من تمام العفو ترك مكافأة الظالم والترحم عليه، وكثرة سؤال الله أن يعفو عنه، ولما ضرب الإمام مالك جعل ضاربه في حل من أول سوط ضربه به، وكذلك بلغنا عن الإمام أحمد لما ضرب، وكان يقول: وماذا على رجل أن لا يعذب الله أحدًا بسببه. وكان كعب الأحبار يقول: من صبر على أذى امرأته أعطاه الله من الأجر ما أعطى أيوب عليه السلام، ومن صبرت على أذى زوجها لها أعطاها الله تعالى من الأجر مثل ما أعطى آسية بنت مزاحم رضي الله عنها، وسيأتي أواخر هذا الكتاب بسط الكلام على هذا الخلق إن شاء الله تعالى، والحمد لله رب العالمين.
هذا الفعل ليس عليه دليل من كتاب ولا سنة، بل النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل المسجد وشاهد حبلًا ممدودا بين ساريتين فقال: ما هذا؟ قالوا: لزينب تصلى، فإذا كسلت أو فترت أمسكت به، فقال: حلوه، ليصل أحدكم نشاطه. فإذا كسل أو فتر قعد.