ابن حزم حيث نقل عنه ـ بواسطة بعض الفضلاء ـ أنّه قال في كتابه"النّبذ الكافية"ما نصّه: (( كلّ من روى عن صاحب لم يسمّه، فإن كان ذلك الرّاوي ممن لا يجهل صحة قول من يدعي الصّحبة من بطلانه فهو خبر مسند تقوم به الحجّة [1] ؛ لأنّ جميع الصّحابة
رضي الله عنهم عدول.
قال: وإن كان الرّاوي ممن يمكن أن يجهل صحّة قول مدّعي فهو حديث مرسل لا تقوم به الحجّة إذ لا يؤمن من فاسق من النّاس أن يدّعي الصّحبة عند مَن لا يعرف كذبَه من صدقه ... )) ثم قال العلائيّ: (( هذا ما نقله عن ابن حزم وهو تفصيل حسن بالغ ) ) [2] .
قلت: وليس في كلام أبي محمّد ما يدل على تقييده بالإمامة، وإنّما اشترط المعرفة بحال مدّعي الصّحبة من غيره، ولكن سيأتي في الطّريق السّابع أنّ الحافظ العلائيّ قد اعتدّ برواية
(1) وهذا التفصيل الذي قرّره هنا يخالف ما أطلقه في كتابه"الإحكام في أصول الأحكام"1/ 136 أنّه لا يقبل حديث التّابعي الذي يقول فيه: (( عن رجل من الصّحابة ) )أو (( حدثني من صحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) )حتى يسمّيه ويكون معلومًا بالصُّحبة الفاضلة، ولم يفرّق بين التابعي الذي لا يخفى عليه، والذي يخفى عليه مدعي الصّحبة.
وهذا الذي قرّره في"النّبذ"هو الذي مشى عليه في كتابه"المحلى"، فقد روى فيه من طريق أبي داود بسنده عن أبي عُمير بن أنس بن مالك، عن عمومة له من أصحاب النّبي - صلى الله عليه وسلم: (( أنّ ركبًا جاءوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشهدون أنّهم رأوا الهلال بالأمس فأمرهم أن يفطروا ... ) )قال أبو محمد: (( هذا مسند صحيح، وأبو عمير مقطوع على أنّه لا يخفى عليه من أعمامه من صحّت صحبته ممن لم تصح صحبته، وإنّما يكون هذا علّةً ممن يمكن أن يخفى عليه هذا، والصّحابة كلّهم عدول رضي الله عنهم لثناء الله تعالى عليهم ) )المحلى 5/ 92.
ولمّا ذكر قول عروة بن الزّبير: حدثني رجلٌ من أصحاب النّبي - صلى الله عليه وسلم - ـ وأكبر ظنّي أنّه أبو سعيد الخدريّ ـ: فأنا رأيت الرّجل يضرب في أصول النّخل.
قال: (( وعروة لا يخفى عليه من صحّت صحبته ممن لم تصح ) ). المحلى 8/ 236.
وروى في موضع آخر حديثَ: (( لا قيلولة في الطّلاق ) )من طريق نعيم بن حمّاد، عن بقيّة، عن الغازي بن جبلة، عن صفوان الطّائيّ، عن رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، عن النّبي - صلى الله عليه وسلم -.
قال ابن حزم: (( وهذا كلّه لا شيء؛ لأنّ إسماعيل بن عبّاس وبقيّة ضعيفان، والغازي بن جبلة، وصفوان ضعيف، ثم هو مرسل ) ). المحلى 8/ 33.
(2) انظر: تحقيق منيف الرتبة (ص 55) .