والظّاهر من صنيعه أيضًا أنّه لا يصحّح الصُّحبة بالسّند الضّعيف؛ فإنّه قال في ترجمة (عبد الرحمن بن أبي عميرة) ـ وقد أورد له ثلاثة أحاديث بأسانيد ضعيفة ـ: (( وهذه الأحاديث وإن كان لا يخلُو إسنادٌ منها من مقال فمجموعها يثبت لعبد الرحمن الصُّحبة ) ) [1] .
ومفهومه أنّه لو لم يكن له إلاّ إسناد واحد فيه مقال لم يثبت له به الصّحبة.
كما أنّه تارة يعلّق ثبوت الصّحبة على صحة الحديث، كقوله في ترجمة (إبراهيم الطّائفيّ) ـ وقد ترجمه في القسم الأوّل ـ: (( صحابيّ إنْ ثبت إسناد حديثه؛ لكن مداره على عبد الله بن مسلم بن هرمز، وهو ضعيف، وشيخه مجهول ... ) ) [2] .
وبالجملة فالمترجَمُون في القسم الأوّل فالأصل أنّهم معدودون في الصّحابة ـ عند الحافظ ـ؛
لأنّه ميّز الصّحابة من غيرهم، ولم يخلطهم بغيرهم كما فعل غيرُه قبلَه؛ لكنّه منهم من يقطع بصحبتهم، ومنهم من يغلب على ظنّه أنّهم صحابة، فقد صرّح بأن مَنْ ذُكر في كتب الصّحابة على سبيل الوَهْم والغَلَط ـ وكان ذلك الوَهْم بيّنًا، أو محتملًا احتمالًا يغلب على الظنّ ـ فإنّه يجعله في القسم الرّابع، فقال: (( وأمّا مع احتمال عدم الوهم فلا، إلاّ إن كان ذلك الاحتمالُ يغلب على الظّنّ بطلانه [3] ) [4] .
وهذا من حيث الجملة، ولكن لا مانع أن يورد فيه تراجم ـ ليست على شرط الأقسام الثلاثة الأخرى ـ؛ فيضعِّف صحبتَهم أو يتوقف فيها [5] ، كالشّأن بالنسبة لأصحاب
(1) الإصابة 4/ 342 ـ 343.
(2) نفسه 1/ 20.
(3) أي بطلان احتمال عدم الوهم ـ يعني أنّه يغلب على الظنّ احتمال الوهم، فيكون من نصيب القسم الرّابع، أمّا مع احتمال عدم الوهم فإنّه يجعله في القسم الأوّل.
(4) الإصابة 1/ 5.
(5) انظر: ترجمة (معاذ بن عبد الرحمن التيميّ) في الرسالة 3/ 1467، وترجمة (معاذ بن سويد المزنيّ) 3/ 1494.