وجسران كبيران، وهما: الرّواية والشّهادة؛ نعم من فعل ما يخالف ما يعدّه النّاسُ مروءةً عرفًا لا شرعًا فهو تارك للمروءة العرفيّة، ولا يستلزم ذلك ذهاب مروءتِه الشرعيّة )) [1] .
ومن الكلام المستحسن في العدالة كلام الإمام الشّافعي رحمه الله الذي نقله عنه الأمير الصنعاني رحمه الله فقال: (( وقد قال الشّافعي في العدالة قولًا استحسنه كثيرٌ من العقلاء بعده، قال: (( لو كان العدل من لم يذنب لم نجد عدلًا، ولو كان كلّ ذنب لا يمنع من العدالة لم نجد مجروحًا، ولكن من ترك الكبائر، وكانت محاسنُه أكثر من مساوئه فهو عدل ) ) [2] اهـ.
قلت (الصّنعانيّ) : وهذا قول حسن، ويؤيّده أنّ أهل اللّغة فسّروا العدل بنقيض الجَوْر، وليس الجَوْرُ عبارة عن ملكة راسخة [3] توجب إتيان كلّ معصية، ولا الجائر لغةً: كلّ من يأتي معصية، بل من غلب جَوْرُه على عدله )) [4] .
وأمّا الصّحابة رضوان الله عليهم فلا يبحث عن عدالتهم؛ إذ الصُّحبة ذاتُها تقتضي العدالة، وهذه خَصِيصة خصّهم الله بها دون سواهم من النّاس؛ لحكمة أرادها الله عزّ وجلّ، فهم حَفَظَةُ دينِه، ونَقَلَةُ شَرْعِه؛ ولذلك كان القدح فيهم قدحًا في الشّريعة، يقول الإمام أبو زرعة الرّازيّ رحمه الله: (( إذا رأيت الرّجل ينتقص أحدًا من أصحاب
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعلم أنّه زنديق؛ وذلك أنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - ـ عندنا ـ حقّ، والقرآن حقّ، وإنّما أدّى إلينا هذا القرآن والسُّنن أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنّما يريدون أن يجرِّحُوا شهودَنا؛ ليبطلوا الكتاب والسّنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة )) [5] .
(1) إرشاد الفحول (ص 46) .
(2) ونقله عنه ابن الوزير اليماني في"الروض الباسم في الذّب عن سنّة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -"1/ 55.
وفي"الرسالة"للشافعي (ص 493) ، والكفاية للخطيب 1/ 270 كلام قريب من هذا المعنى.
(3) وللصنعانيّ اعتراض على تفسير العدالة بالملَكَة ـ وهو تفسير تطابقت عليه كتب المصطلح والأصول ـ في كتابه"توضيح الأفكار"2/ 284 ـ 285. فليراجعه من شاء.
(4) ثمرات النّظر للصنعانيّ (ص 72 ـ 73) .
(5) انظر: الكفاية للخطيب 1/ 188.