وأجاب الإمام أحمد عن تقديم النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر على أبي بن كعب وغيره، بأنه أراد بذلك التنبيه على خلافته، فلهذا المعنى قدمه في الصلاة على الناس كلهم.
وقد منع بعضهم أن يكون أبي بن كعب أقرأ من أبي بكر، لأن المراد بالأقرإ في الإمامة الأكثر قرآنا. وقال: كان أبو بكر يقرأ القران كله، فلا مزية لأبي بن كعب عليه في ذلك، وامتاز أبو بكر بالعلم والفضل.
القول الثاني: يقدم الأقرأ على الأفقه، وحكي عن الأشعث بن قيس وابن سيرين والثوري وأحمد وإسحاق واختاره ابن المنذر. نقله عنهم ابن رجب في الفتح [1] .
واستدل من قدم الأقرأ بحديث أبي مسعود الأنصاري، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة .." [2] ."
وقد تأول الشافعي وغيره مثل هذه الأحاديث على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما خاطب أصحابه، وكان أكثرهم قرآنا أكثرهم فقها؛ فإن قراءتهم كانت علما وعملا بخلاف من بعدهم.
وأجيب عن هذا بوجهين:
أحدهما: أن هذا خطاب عام للأمة كلهم، فلا يختص بالصحابة.
والثاني: أنه فرق بين الأقرإ والأعلم بالسنة، وقدم الأقرأ عليه.
قال الصنعاني في السبل [3] : ولا يخفى أنه يبعد هذا قوله «فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة» فإنه دليل على تقديم الأقرأ مطلقا، والأقرأ على ما فسروه به هو الأعلم بالسنة فلو أريد به ذلك لكان القسمان قسما واحدا.
القول الثالث: أنه يؤمهم أفضلهم وخيرهم، ثم أقرؤهم، ثم أسنهم، وبه قال
(1) ينظر: فتح الباري لابن رجب (6/ 114) .
(2) تقدم تخريجه قريبا.
(3) ينظر: سبل السلام (1/ 372) .