المأموم ما سبقه به إمامه.
المطلب الثاني: رأي المحدثين من فقهاء الأحناف في المسائل المتقدمة:
أما العيني في العمدة [1] فقد اختار مذهب إمامه، وهو أن ما أدركه المأموم مع الإمام هو آخر صلاته وأنه يكون قاضيا في الأفعال والأقوال، وأما القاري في المرقاة [2] فاختار أن ما أدركه المرء من صلاة إمامه هو أول صلاته، وعزاه إلى أبي حنيفة، وهو خلاف ما ذكروه عن أبي حنيفة.
المطلب الثالث: رأي الإمام الكشميري في المسائل المتقدمة:
اختار الكشميري في العرف [3] مذهب إمامه، وهو أن ما أدركه المسبوق من صلاة إمامة هو آخر صلاته، والذي يقضيه هو أول صلاته، واستدل لذلك بما أخرجه أبو داود في سننه عن معاذ «أن الصحابة كانوا إذا يسبقون فيأتون أولا بما سبقوا ثم يلحقون بإمامهم، ثم يوما دخل معاذ، مع الإمام وقضى ما سبق بعده فقال عليه الصلاة والسلام بسنة معاذ إلخ [4] .
(1) ينظر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري (5/ 151) .
(2) ينظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (2/ 578) .
(3) ينظر: العرف الشذي شرح سنن الترمذي (1/ 328) .
(4) يشير إلى ما روي من حديث ابن أبي ليلى عن معاذ قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، فذكر الحديث، وفيه: «فجاء معاذ فقال: لا أجده على حال أبدا إلا كنت عليها ثم قضيت ما سبقني قال: فجاء وقد سبقه النبي - صلى الله عليه وسلم - ببعضها، قال: فقمت معه، فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاته قام يقضي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: قد سن لكم معاذ فهكذا فاصنعوا» .
أخرجه أحمد في مسنده (36/ 436) (22124) ، والبيهقي في السنن الكبرى جماع أبواب الخشوع، (2/ 421) (3618) ، عن المسعودي عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل.
وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين غير المسعودي -وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة- فقد روى له البخاري استشهادا وأصحاب السنن، وكان قد اختلط، وقد روى عنه أبو النضر -وهو هاشم بن القاسم- ويزيد بن هارون، وروايتهما عنه بعد الاختلاط، وفيه أيضا ابن أبي ليلى وهو لم يسمع من معاذ، فهو منقطع.
وروي من وجه آخر، أخرجه أحمد في مسنده (36/ 362) (22033) ، والطبراني في المعجم الكبير (20/ 134) من غير وجه عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ وذكر نحوه.
وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين، غير أن ابن أبي ليلى لم يسمع من معاذ.
ووقفت على وجه آخر من طريق ابن ليلى، وهو أصح إسناد ورد به الحديث:
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، جماع أبواب اختلاف نية الإمام والمأموم وغير ذلك، باب من كره أن يفتتح الرجل الصلاة لنفسه ثم يدخل مع الإمام (3/ 133) (5146) ، من طريق أبي داود، وهو في سننه، كتاب الصلاة، باب كيف الأذان (1/ 138) (506) ، غير أنه لم يسق لفظه تاما عن عمرو بن مرزوق، أنبأ شعبة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى قال: وحدثنا أصحابنا قال: وذكره.
أخرجه البيهقي بهذا اللفظ وإسناده صحيح، على شرط الشيخين، وقول ابن أبي ليلى: (حدثنا أصحابنا) إنما أراد به الصحابة رضي الله عنهم، كما قال الزيلعي في"نصب الراية" (1/ 267) ، والحافظ في"التلخيص" (3/ 174) . قال:"ولهذا صححها ابن حزم وابن دقيق العيد".