مثل (ذلك)
وقوله: مثل ذلك
راجع إلى (تلك) و (ذانَّك) و (تانَّك) و (اولالك) كلهن، أي: هؤلاء الأربع مثل (ذلك) فى أنهن للبعيد، لا في المعنى.
وأعلم أن (تلك) أصلها (تى) للمفردة المؤنثة بتاء وياء، فاجتمع ساكنان أحدهما حرف العلة فحذفوه، وأما (تا) إذا أدخلوا عليها اللام والكاف، فلم يحذفوا بل قالوا: (تالك) لخفة الألف [1]
وإنما جعلوا ما فيه اللام، أو النون الشديدة والكاف للبعيد لمازادت حروفها على المتوسط كما أن (لما) لاستغراق النفى لزيادتها على (لم) ، والنون الثقيلة آكد من النون الخفيفة؛ لزيادتها عليها، وهذا مطَّرد فيما اتفقت حروفه ومعناه.
وأمَّاما اختلفت حروفه واتفق معناه فيمكن أن يقال فيه كذلك كـ (إنّ) ولام التوكيد و (ثم) و (الفاء) ولا ينقض بـ (حتى) و (ثم) ؛ لأنا نقول: (حتى) مفيدة للترتيب كما هو الصحيح، فلم يشتركا في المعنى، ووجه ذلك أن لغة العرب لا يوجد فيها لفظ فارغ، لا سيما إن قلنا: الواضع هو الله تعالى، فكلما [زادت[2] ]الحروف زاد المعنى، ولا يكون هذا إلا في الأدوات، فأما الأسماء والأفعال فلا يطرد كـ (أسد وأسامة) .
ويمكن أن يعترض: بأن الفائدة في زيادة اللفظ إصلاح الوزن في النظم، أو نحو ذلك، فالمعتمد الاستقراء.
ومن النحاة [3] من ذهب إلى أنهما مرتبتان فقط: بعيدة، وهى ما فيها كاف الخطاب انضم إليه شئ أولا، وقريبة: وهى ما ليس فيها ذلك، واحتجوا بأمرين:
أحدهما: أن القرآن الكريم ليس فيه إلا المجرد عن اللام والكاف، أو المصاحب لهما، ويبعد أن لا يكون فيه إشارة إلى المتوسط؛ لأنه محيط بأكثر المعانى، وهذا مما يتكرر، وتمس الحاجة إليه.
وثانيهما: القياس على حروف النداء، فإنها على الصحيح مرتبتان فقط.
ومن النحاة من جعلها مرتبة واحدة، وزعم أنه يؤتى بـ (ذلك) للقريب والمتوسط والبعيد
(1) ينظر: شرح الكافية للرضى (3/ 83)
(2) (زادت) ، وفى الأصل: (زاد) ، وهو تحريف
(3) هذا قول بعض النحويين وصححه ابن مالك فى: شرح التسهيل (1/ 239،242 - 244) وردَّه أبو حيان في التذييل (3/ 191 - 195)