وقول الآخر:
زعم العواذِلُ أنَّنى في غَمْرَةٍ:: صَدَقوا، ولكنْ غَمْرَتىِ لا تَنْجَلِى [1]
وقيل [2] : لا يكون إلا في الباطل، فأما قوله: (صدقوا) فقد استدرك بقوله: (ولكن غمرتى لا تنجلى) ، فكأنه قد كذبهن، وأما قوله:
وقد زَعَمَتْ أنى تَغَيَّرْتُ بعدَها:: ومَنْ ذَا الذى -ياعَزُّ- لا يَتَغَيَّرُ؟ [3]
فإنما أراد بقوله: (ومن ذا الذى -ياعز- لا يتغير) تغير خلقه وشحوبه من فقد محبوبته والذى زعمته تغير مودته، فهو في المعنى راد عليها بدليل قوله [4] :
تَغَيَّر جَسِْمى والخليقةُ كالتى:: عَهِدْتِ، ولم يُخْبِرْ بِسِِّركِ مُخْبِرُ
وهو معنى لطيف، وهو كقول [الغَضْباَن بن] [5] القََبَعْثَرَى [6] للحجَّاج لماَّ قال: (لأحملنك على الأدهم مثل الأمير حمل على الأدهم والأشقر) فقال الحجاج: (إنما أردت الحديد) فقال: (لا يكون حديدًا أحب إلى من أن يكون بليدًا)
[وأما (وجدت) فبمعنى (علمت) نحو: {تحدوه عند الله هو خيرًا} [7] ، ومصدرها (وِجْدان) عند الأخفش [8] ، و (وُجود) عند السيرافى [9] ] [10]
وأما (علمت) فالمشهور استعمالها في اليقين، وقد جاءت بمعنى الظن
(1) البيت من الكامل، وهو بلا نسبة فى: دلائل الإعجاز (ص160، 161) ، ومفتاح العلوم (ص372) ، والمصباح لابن الناظم (ص59) ، ومغنى اللبيب (2/ 441) ، وشرح أبياته (6/ 180، 181)
والغمرة: الشدة
والشاهد فيه أن (زعم) استعمل فيه بمعنى التحقيق
واستشهد به ابن هشام على أن قوله (صدقوا) استئناف بيانى
(2) ينظر: شرح أبيات المغنى (6/ 180)
(3) البيت من الطويل، وهو لكثِّير غزة في ديوانه (ص149) ، والتذييل (6/ 24) ، وتخليص الشواهد (ص428) ، والمقاصد النحوية (2/ 380) ، والتصريح (1/ 248) ،والخزانة (5/ 222، 314) ، وبلا نسبة فى: أوضح المسالك (2/ 40) ، وشرح الشذور (ص370) ، والأشمونى (2/ 31)
والشاهد فيه قد بينه الشارح
وفيه شاهد آخر في قوله: (زعمت أنى تغيَّرت) حيث سدت (أنّ) واسمها وخبرها مسد مفعولى (زعم)
(4) أى: كُثيِّر ينظر: ديوانه (ص150) ، والتذييل (6/ 24) ، وتخليص الشواهد (ص428)
(5) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق
(6) (القبعثرى) ، وفى الأصل: (الشَنْفَرَى) ، وهو تحريف، والشنفرى شاعر جاهلى لم يدرك الحجاج، وينظر: أخبار الغضبان بن القبعثرى وقصته مع الحجاج بين الثقفى فى: مروج الذهب للمسعودى (3/ 155 - 158) تح / محمد محيى الدين عبد الحميد، (المكتبة العصرية 1407 - 1987م)
(7) المزمل: (20)
(8) ينظر: شرح اللمع لابن برهان (1/ 116)
(9) ينظر: شرح الكتاب (2/ 321) ، والتذييل (6/ 28)
(10) ما بين المعقوفين سقط من الأصل، واستدركه على الحاشية