فإن قيل: إن المقابلة هذه إنما تكون حيث يكون الأول حقيقة، قلنا: لا نسلم أن من شرط المقابلة تقدم الحقيقة ألا ترى إلى قوله تعالى: {فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ} [1] قو بل بـ (من) الأولى (من) الثانية، و-أيضا- المشى مجاز في قوله: {فمنهم من يمشى على بطنه}
و -أيضا- روى أن العباس [2] قبل أن يسلم قال للنبى [صلى الله عليه وآله وسلم] [3] وقد رأى بعض معجزاته: (إن ربك ليطيعك يا محمد فقال: وأنت ياعم لو أطعته لأطاعك) [4]
قول العباس: (إن ربك ليطيعك) مجاز متقدم، وقوله [صلى الله عليه وآله وسلم] [5] بعد: (وأنت لو أطعته) حقيقة قابل بها المجاز الأول.
وإن سلم فلا يمتنع أن يكون سياق ما قبله قد أفهم أن الله تعالى يراه قريبًا، فيكون مقابلًا لما قبله من مفهوم السياق، فإن قوله تعالى: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ} [6] وما بعده إخبار بوقوع ما أخبر الله تعالى به، ومعناه: إنا نرى وقوع ذلك، ثم عقبه بأنهم يرونه بعيدًا أى: بعيدًا صحته بمعنى: مستحيل، ونراه قريبًا. أى: ممكنًا سهلًا، وإن سلم فهو مجاز من نوع آخر نحو: {فبشرهم بعذاب أليم} [7]
الثالثة [8] : قد استعملوا [9] (أُرى) بمعنى: (أظن) ، وهى مبنية للمفعول، ولم تستعمل مبنية للفاعل متعدية إلى ثلاثة، وإنما جاءت مبنية للمفعول معداة إلى اثنين، فمنه:
(1) النور: (45)
(2) هو العباس بن عبد المطلب عم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أسلم قبل الهجرة، وكتم إسلامه، وخرج مع قومه إلى بدر فأسر يومئذٍ فادعى أنه مسلم، روى عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، عدة أحاديث توفى سنة (32هـ)
تنظر ترجمته فى: الطبقات الكبرى لابن سعد (4/ 5 -33) (دار صادر - بدون) ، وسير أعلام النبلاء (2/ 78 - 100) (مؤسسة الرسالة. ط. الحادية عشرة 1419هـ - 1998م) والاستيعاب لابن عبد البر (2/ 810 - 817)
(3) (،5) ما بين المعقوفين مكانه في الأصل: (صلعم) .
(4) ليس هذا من كلام العباس كما ذكر الشارح إنما هو من كلام أبى طالب عم النبى - صلى الله عليه وسلم - حيث جاء في الإصابة (4/ 113) :"وأخرج ابن عدى من طريق الهيثم البكاء عن ثابت عن أنس قال: مرض أبو طالب فعاده النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا ابن أخى ادع ربك الذى بعثك يعافينى فقال: اللهم اشف عمى، فقام كأنما نشط من عقال فقال يا ابن أخى إن ربك ليطيعك فقال: وأنت ياعماه لو أطعته ليطيعنك"ا. هـ
(6) المعارج: (1، 2)
(7) التوبة: (34)
(8) أى: المسالة الثالثة
(9) ينظر: الكتاب (1/ 118، 121) ، والإيضاح العضدى (ص166)