المسألة الثانية: أن الجزاء مترتب على الشرط، فلابد من تقدم الشرط عليه معنى، أو مقاربته له، إذا ثبت هذا صح أن يكونا ماضيين جميعًا، والشرط متقدم على الجزاء، وأن يكونا مستقبلين جميعًا، والشرط متقدم على الجزاء، ولا يصح أن يكون مستقبلًا، والجزاء ماضيًا؛ لأنه عكس الأصل الذى قد تقرر، ولا: أن يكون الشرط ماضيًا، والجزاء مستقبلًا متراخيًا، وما جاء على هذا متأول.
فمن كون الشرط ماضيًا والجزاء مستقبلًا قولك: (إن آمنت فسوف تدخل الجنة) ، وتأويله: (فأنت مستحق لدخول الجة) أو (فقد وعدك الله دخول الجنة) ، ومنه قول الشاعر:
أَتَغْضَبُ إنْ أُذْنَا قُتَيْبَةَ حُزَّتَا
وتأويله: أن يكون على حذف الشرط، التقدير: (إن افتخر مفتخر بحزَّ أذنى قتيبة الواقع فيما مضى غضبت) أو (إن علمت بذلك غضبت) .
ومن كون الشرط مستقبلًا والجزاء ماضيًا قوله تعالى: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ .. } [1] {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ .. } [2] و { .. إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ .. } [3] أى: (إن يمسسكم قرح فتسلوا) ، و (إن يكذبوك فتأس فقد كذبت رسل من قبلك) ، و (إن يسرق [4] فلا تستبعدوا ذلك فقد سرق أخ له من قبل) ، وكذا: (إن تكرمنى اليوم فقد أكرمتك أمس) تقدر الشرط والجزاء أى: (إن تعتد بإكرامى اليوم اعتد بإكرامك أمس) .
ولمَّا أشكل وقوع الشرط ماضيًا قال مَبْرَمَان [5] : إن الرواية بفتح (أَنْ) فى:
(1) آل عمران: (140) .
(2) فاطر: (4) .
(3) يوسف: (77) .
(4) (وإن يسرق فلا تستبعدوا ... ) ، وفى الأصل: (وإن يسرق فقد سرق فلا تستبعدوا ... ) ، وما أثبت أدق، وينظر: النجم الثاقب (2/ 1204)
(5) هو: محمد بن على بن إسماعيل العسكرى، أبو بكر، المعروف بـ (مَبْرَمَان) من كبار علماء العربية من أهل بغداد أخذ عن المبرد والزجاج، وأخذ عنه الفارسى والسيرافى توفى سنة (345 هـ)
تنظر ترجمته فى: بغية الوعاة (1/ 176، 177) .
وينظر رأيه فى: النجم الثاقب (2/ 1204) ، وشرح أبيات المغنى (1/ 119) .