فأما العلم فإنه يستدل بكل منهما على الآخر، كما ذكره المنطقيون قالوا: (إن استثنى عين المقدم أنتج عين التالى، وإن استثنى نقيض التالى أنتج نقيض المقدم، وإن كانا متساويين فاستثناء عين كل منهما ينتج عين الآخر، واستثناء نقيضه ينتج نقيض الآخر) .
واعلم أن ما ذكره النحاة والمصنف والمنطقيون من أن (لو) موضوعة لامتناع جزائها؛ لأجل امتناع شرطها، أو عكسه عند المصنف غير مطرد، ألا ترى إلى قوله تعالى: { .. وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ .. } [1] ، التولى حاصل، وشرط (لو) مثبت، وإلى قول عمر في صهيب: (لَوْ لَمْ يَخَفِ اللهِ لَمْ يَعْصِهْ) [2] العصيان منتف، وشرطها مثبت، وإلى قوله تعالى: { .. وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ .. } [3] ، والاستجابة منتفية، وشرطها مثبت وتقول: (سألت الله فأعطانى، ولو لم أسأله لأعطانى) العطاء حاصل، وشرط (لو) منفى
ويرد هذا - أيضًا - على كلام النحاة فإنه لا يستقيم أن يقدر: (لكنه لم يسمعهم فلو يتولوا) ولا: (لكنه لم يسمعهم فاستجابوا) ، ولا: (لكنه خاف فعصى) .
فلهذا الإشكال قال قوم من الحذاق [4] : واستقرئ من كلام سيبويه أنها تدل على انتفاء شرطها، وأما التلازم بين الشرط والجزاء فهى في ذلك كغيرها من الشرطيات، متى حصل الشرط حصل المشروط، ومتى انتفى الشرط جاز أن ينتفى المشروط، وجاز أن يحصل إن كان له شرط آخر قد حصل، وذلك لأن الشرط ملزوم أى: لا ينفك عن الجزاء، والجزاء لازم، أى: يحصل بحصول الشرط، ولا يجب أن ينتفى بانتفائه
ولا يجب من انتفاء الملزوم انتفاء اللازم إلا إن كان مساويًا كالشمس والنهار تقول: (إذا كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، وإذا لم تطلع لم يكن النهار موجودًا) فهذه دلالة من جهة المنطوق
(1) الأنفال: (23) ، وفى الأصل: (ولو أسمعتهم) وهو تحريف،
(2) ينظر هذا القول فى: شرح المقدمة الكافية (3/ 1002) ، والمقرب ومعه المثل (صـ 134، 135) ، وشرح الكافية للرضى (4/ 487) ، ومغنى اللبيب (1/ 286) ، والنجم الثاقب (2/ 1207) .
(3) فاطر: (4) .
(4) ينظر: شرح التسهيل (4/ 95) ، والارتشاف (4/ 1898) ، والجنى الدانى (صـ 275 - 277) ، والهمع (2/ 468 - 472) .