والقائلون بالتجرد فريقان:
منهم من يجعل التجرد أمرًا معنويًا ثبوتيًا، ومنهم من يرجع بذلك إلى أن الرفع فيهما لا بعامل، وكأنه قيل: لما تجردا عن العامل اللفظى والمعنوى رفعا.
ويؤيد هذا المذهب [1] : أن الرفع في كلام العرب أصل الحركات، والدليل: أنهم يرفعون في أسماء العدد غير المركبة يقولون، (اثنان) ، و (اثنان وثلاثون) ، وكذلك إذا أدخلوا الواو قالوا: (واحدُ واثنان، وثلاثةُ، وأربعةُ) ، ولا إعراب [2] ، ولا عامل؛ ولأنه لو
كان المعنوى عاملًا لعمل في النصب والجر، إذ كل نوع من أنواع ... العوامل [متَفَنِن] [3] / كالفعل والاسم والحرف يعمل رفعًا ونصبًا وجرًّا، ولو كان عاملهما لفظيًا، وهو المبتدأ والخبر والعائد وهى أسماء جوامد لجاز أن تعمل الأسماء الجوامد في غير هذا الموضع، فإذا بطل اللفظى والمعنوى، لم يبق إلا أنهما ارتفعا بغير عامل.
(1) يقصد مذهب القائلين بأن العامل هو التجرد من العوامل اللفظية.
وقد صحح ابن عصفور هذا المذهب، وزعم أن التعرى هو الرافع للمبتدأ والخبر، واستدل على ذلك بأنه قد وجد التعرى عن العوامل رافعًا للاسم بشرط أن يكون المُعَرَّى قد ركب من وجهٍ ما، حيث قال في شرح الجمل (1/ 356) :"وذلك أن سيبويه حكى أنهم يقولون: واحدُ، واثنان، وثلاثةُ، وأربعةُ، إذا عدوا ولم يقصدوا الإخبار بأسماء العدد ولا عنها، وذلك مع التركيب بالعطف، فإن لم تعطف بعضها على بعض كانت موقوفة فقلت: واحدْ اثنانْ ثلاثةْ أربعةْ، وكذلك المبتدأ ارتفع لتعريه مع تركيبه بالإخبار عنه، إذن قد ثبت أن التعرى رافع"ا. هـ
، وينظر الكتاب (3/ 265) .
(2) يرى الزمخشرى أن الأعداد المفردة العارية عن التركيب وكذا حروف الترجى، يرى أنها معربة مع كونها مشابها لمبنى الأصل، وحكى ابن الحاجب الاتفاق على كونها مبنية
ينظر: الكشاف (1/ 20، 21) ، وشرح المقدمة الكافية (1/ 235، 2/ 353)
(3) ما بين المعقوفين هكذا في الأصل، ولم أقف على المراد منها