لأنه اسم لخطا معدودة، ومحال أن تكون الكثرة مخرجة لها إلى الظرفية؛ ولأنها لو كانت ظروفًا لعمل فيها كل فعل، ولم تختص بما هو في معناها، وأنت لا تقول: (قعدت ميلًا ولا فرسخًا) ؛ ولأنه يلزم أن يجوز ظهور (فى) كما تقول: (صليت في مكانك) ، لا سيما إن جعلت من المختص
وذهب الجمهور [1] إلى أنها ظروف، ثم اختلفوا:
فقيل: هى داخلة في المختص؛ لأن لها اسمها باعتبار أمرٍ، وهو ما يقدر منها بالذراع، وذلك داخل في مسماها، وكذا إن قلنا في المختص ما له حدود ونهايات فهى كذلك، فعلى هذا تكون مما شذ تعدى الفعل إليه بنفسه، وهذا قول الشلوبين [2] .
وقيل: بل هى من المبهم؛ لأن لها اسمها باعتبار أمر، وهو الميل والفرسخ والبريد الذى يليها، وذلك غير داخل، وإن قلنا في المبهم: ما ليس له نهاية فليس لها نهاية؛ لأن هذا البريد قد يزيد على نهايته تلك إذ اعتبرته من أقرب، وينقص إن اعتبرته من أبعد، وهذا قول أكثرهم [3] .
وأمَّا من عَدّ [4] فقال: هى الجهات الست: (فوق، وتحت، وقدام، وخلف، ويمين، وشمال) ومارادافها.
(1) ينظر: الارتشاف (3/ 1430) ، والهمع (2/ 110، 111)
(2) لم أجد له رأيًا في هذا لا في التوطئة ولا في شرح المقدمة الجزولية
وينظر رأيه فى: الارتشاف (3/ 1437) ، والهمع (2/ 111) ، والأشمونى (2/ 191)
(3) ينظر: المسائل المنثورة (صـ 19) ، والارتشاف (3/ 1430) ، والهمع (2/ 111) ، والأشمونى (2/ 191) .
وقد جعلها أبو حيان من الشبيه بالمبهم حيث قال في الارتشاف (3/ 1430) :"والصحيح أنه شبه بالمبهم، ولذلك وصل إليه بنفسه"، وقد وجه الصبانَّ في حاشيته (2/ 190) قول أبى حيَّان هذا فقال:"والثالث وصححه أبو حيان أنها شبيهه بالمبهم من حيث إنها ليست شيئًا معينًا في الواقع، فإن الميل مثلًا يختلف ابتداؤه وانتهاؤه وجهته بالاعتبار فهى مبهمة حكمًا"
وأما ابن هشام فقد جعلها في شرح اللمحة (2/ 169) من المبهمة البقعة المعلومة المسافة وجعلها في أوضحه (2/ 237) من الشبيه بالمبهم في الشياع.
وجعل المبهم في شرح القطر (صـ 251) ثلاثة أنواع أحدها أسماء الجهات الست، والثانى: وأسماء مقادير المساحات"كالفرسخ، والميل، والبريد"، والثالث: ما كان مصوغًا من مصدر لعامله نحو: جلست مجلس زيد ..""
وفى شرح الشذور (صـ 255 - 257) جعل ظرف المكان ثلاثة أقسام: القسم الأول: المبهم، وجعله نوعين أحدهما: أسماء الجهات الست، والثانى: ما ليس اسم جهة ولكن يشبهه في الإبهام كقوله تعالى: { .. أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا .. } [يوسف/9] ، والقسم الثانى: أن يكون الًاعلى مساحة معلومة من الأرض كـ (سرت فرسخًا وبريدًا) ثم قال:"وأكثرهم يجعل هذا من المبهم، وحقيقة القول فيه أن فيه إبهامًا واختصاصًا، أما الإبهام فمن جهة أنه لا يختص بيقعة بعينها، وأما الاختصاص فمن جهة دلالته على كمية معينة، فعلى هذا يصح فيه القولان والقسم الثالث: اسم المكان المشتق من المصدر ..."
(4) نسبه ابن الحاجب إلى الأكثرين فى: شرح المقدمة الكافية (2/ 485) ، وشرح الوافية (صـ 215) ، وينظر: المفصل بشرحه لابن يعيش (2/ 40، 41) ، وشرح الكافية للرضى (2/ 13) .