وَهُوَ أَحَدُ المَآخِذِ للأَصْحَابِ فِي أَصْل المَسْأَلةِ وَعَدَّ القَاضِي فِي هَذَا الضَّرْبِ القَرْضَ وَأَرْشَ الجِنَايَاتِ وَقِيَمَ المُتْلفَاتِ , وَوَافَقَهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَلى قِيَمِ المُتْلفَاتِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ القَرْضَ لا يُمْلكُ بِدُونِ القَبْضِ عَلى مَا جَزَمَ بِهِ فِي المُجَرَّدِ وَقِيَمُ المُتْلفَاتِ يَنْفَسِخُ الصُّلحُ عَنْهَا بِتَلفِ العِوَضِ المَضْمُونِ وَكَذَلكَ أُرُوشُ جِنَايَاتِ الخَطَأِ بِخِلافِ العَمْدِ أَوْ نَحْوِهِ ليْسَ بِعَقْدٍ ليَدْخُلهُ الفَسْخُ ثُمَّ إنَّهُ مَضْمُونٌ فِي الذِّمَّةِ كَالدَّيْنِ وَذَلكَ لا يَتَعَيَّنُ فِي الخَارِجِ إلا بِالقَبْضِ عَلى المَذْهَبِ.
وَأَلحَقَ صَاحِبُ التَّلخِيصِ بِهَذَا أَيْضًا المِلكَ العَائِدَ بِالفَسْخِ قَبْل القَبْضِ وَالاسْتِرْدَادِ لأَنَّهُ لا يُخْشَى انْتِقَاضُ سَبَبِهِ , وَهَذَا مُتَّجِهٌ عَلى الوَجْهِ الأَوَّل الذِي اخْتَارَهُ.
فَأَمَّا الوَجْهُ الثَّانِي: فَإِنْ كَانَ العَقْدُ المُنْفَسِخُ عَنْ غَيْرِ مُعَاوَضَةٍ صَارَتْ العَيْنُ أَمَانَةً كَالوَدِيعَةِ فَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهَا قَبْل القَبْضِ , وَإِنْ كَانَ عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلى الأَشْهَرِ فَيَتَوَجَّهُ أَنْ لا يُمْنَعَ كَالعَوَارِيِّ وَالغُصُوبِ , لوْ حَجَرَ الحَاكِمُ عَلى المُفْلسِ ثُمَّ عَيَّنَ لكُل غَرِيمٍ عَيْنًا مِنْ المَال بِحَقِّهِ مَلكَهُ بِمُجَرَّدِ التَّعْيِينِ ذَكَرَهُ القَاضِي فِي الزَّكَاةِ مِنْ المُجَرَّدِ فَعَلى هَذَا يَتَوَجَّهُ أَنْ يَجُوزَ لهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْل القَبْضِ.
تَنْبِيهٌ: مَا اُشْتُرِطَ القَبْضُ لصِحَّةِ عَقْدٍ لا يَصِحُّ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْل القَبْضِ لعَدَمِ ثُبُوتِ المِلكِ , وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي المُحَرَّرِ فِي الصَّرْفِ وَرَأْسِ مَال السَّلمِ , فَأَمَّا إنْ قِيل بِالمِلكِ بِالعَقْدِ فَقَدْ حَكَى فِي التَّلخِيصِ فِي الصَّرْفِ المُتَعَيَّنِ وَجْهَيْنِ لأَنَّ انْتِفَاءَ القَبْضِ هَهُنَا مُؤَثِّرٌ فِي إبْطَال العَقْدِ , فَلا يَصِحُّ وُرُودُ عَقْدٍ آخَرَ عَليْهِ قَبْل انْبِرَامِهِ , وَالمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ المَنْعُ فِي الصَّرْفِ وَالسَّلمِ وَالعُقُودِ القَهْرِيَّةِ كَالأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ يَصِحُّ فِيهَا قَبْل القَبْضِ ذَكَرَهُ أَيْضًا فِي التَّلخِيصِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: عُقُودٌ يَثْبُتُ بِهَا المِلكُ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ كَالوَصِيَّةِ وَالهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ , فَأَمَّا الوَصِيَّةُ فَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهَا بَعْدَ ثُبُوتِ المِلكِ وَقَبْل القَبْضِ بِاتِّفَاقٍ مِنْ الأَصْحَابِ فِيمَا نَعْلمُهُ , وَسَوَاءٌ كَانَ المُوصَى بِهِ مُعَيَّنًا أَوْ مُبْهَمًا , وَسَوَاءٌ قُلنَا لهُ رَدُّ المُبْهَمِ قَبْل القَبْضِ أَوْ لا , لأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي جَوَازِ رَدِّهِ أَنَّهُ غَيْرُ لازِمٍ مِنْ جِهَتِهِ , وَهَذَا لا يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّصَرُّفِ لأَنَّهَا لازِمَةٌ مِنْ جِهَةِ المَيِّتِ بِمَوْتِهِ فَهُوَ كَالبَيْعِ المُشْتَرَطِ فِيهِ الخِيَارُ للمُشْتَرِي وَحْدَهُ , وَأَمَّا الهِبَةُ التِي تُمْلكُ بِالعَقْدِ بِمُجَرَّدِهِ فَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهَا قَبْل القَبْضِ أَيْضًا , وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَليْهِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ لأَنَّ حَقَّ الوَاهِبِ يَنْقَطِعُ عَنْهَا بِمُجَرَّدِ انْتِقَال مِلكِهِ وَليْسَتْ فِي ضَمَانِهِ فَلا مَحْذُورَ فِي التَّصَرُّفِ فِيهَا بِوَجْهٍ.