فِيمَنْ يَسْتَحِقُّ العِوَضَ عَنْ عَمَلٍ بِغَيْرِ شَرْطٍ وَهُوَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْمَل العَمَل وَدَلالةُ حَالهِ تَقْتَضِي المُطَالبَةَ بِالعِوَضِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَعْمَل عَمَلًا فِيهِ غَنَاءٌ عَنْ المُسْلمِينَ وَقِيَامٌ بِمَصَالحِهِمْ العَامَّةِ أَوْ فِيهِ اسْتِنْقَاذٌ لمَالٍ مَعْصُومٍ مِنْ الهَلكَةِ.
أَمَّا الأَوَّل فيندرج تَحْتَهُ صُوَرٌ كَثِيرَةٌ كَالمَلاحِ وَالمُكَارِي وَالحَجَّامِ وَالقَصَّارِ وَالخَيَّاطِ وَالدَّلال وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ يَرْصُدُ نَفْسَهُ للتَّكَسُّبِ بِالعَمَل , فَإِذَا عَمِل اسْتَحَقَّ أُجْرَةَ المِثْل وَإِنْ لمْ يُسَمَّ لهُ شَيْءٌ نَصَّ عَليْهِ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَيَدْخُل تَحْتَهُ صُوَرٌ:
مِنْهَا: مَنْ قَتَل مُشْرِكًا فِي حَال الحَرْبِ مُغَرِّرًا بِنَفْسِهِ فِي قَتْلهِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ سَلبَهُ بِالشَّرْعِ لا بِالشَّرْطِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَمِنْهَا: العَامِل عَلى الصَّدَقَاتِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ عَمَلهِ بِالشَّرْعِ.
قَال أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالحٍ: العَامِلينَ عَليْهَا الذِينَ جَعَل اللهُ لهُمْ الثَّمَنَ فِي كِتَابَةِ السُّلطَانِ وَقَال فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ يَكُونُ لهُمْ الذِي يَرَاهُ الإِمَامُ وَظَاهِرُ هَذَا أَنْ يَجِبَ ذَلكَ لهُ بِالشَّرْعِ إمَّا مُقَدَّرًا أَوْ غَيْرَ مُقَدَّرٍ وَالوَليُّ يَأْخُذُ بِنَفْسِهِ وَقَدْ أَمَرَهُ اللهُ بِالاسْتِعْفَافِ مَعَ الغِنَى وَأَيْضًا فَأَمْوَال الزَّكَاةِ حَقٌّ لغَيْرِ مُعَيَّنٍ بِخِلافِ مَال اليَتِيمِ وَأَيْضًا فَمَال الزَّكَاةِ يَسْتَحِقُّهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الغَنِيِّ فَالعَامِل الذِي حَصَل الزَّكَاةَ وَجَبَاهَا أَوْلى وَأَيْضًا فَالعَامِل هُوَ الذِي جَمَعَ المَال وَحَصَّلهُ بِخِلافِ وَليِّ اليَتِيمِ وَذَكَرَ القَاضِي فِي الأَحْكَامِ السُّلطَانِيَّةِ أَنَّ قِيَاسَ المَذْهَبِ أَنَّ العَامِل لا يَسْتَحِقُّ إذَا لمْ يُشْتَرَطْ لهُ جُعْلٌ إلا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِأَخْذِ الأُجْرَةِ عَلى عَمَلهِ وَالأَوَّل أَصَحُّ لأَنَّ حَقَّهُ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ فَهُوَ كَجُعْل رَدِّ الإِبَاقِ وَأَوْلى لوُرُودِ القُرْآنِ بِهِ.
وَمِنْهَا: مَنْ رَدَّ آبِقًا عَلى مَوْلاهُ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ عَلى رَدِّهِ جُعْلًا بِالشَّرْعِ سَوَاءٌ شَرَطَهُ أَوْ لمْ يَشْرُطْهُ عَلى ظَاهِرِ المَذْهَبِ وَفِيهِ أَحَادِيثُ مُرْسَلةٌ وَآثَارٌ وَالمَعْنَى فِيهِ الحَثُّ عَلى حِفْظِهِ عَلى سَيِّدِهِ وَصِيَانَةِ