مَنْ ثَبَتَ لهُ حَقٌّ فِي عَيْنٍ وَسَقَطَ بِتَصَرُّفِ غَيْرِهِ فِيهَا , فَهَل يَجُوزُ للمُتَصَرِّفِ فِيهَا الإِقْدَامُ عَلى التَّصَرُّفِ المُسْقِطِ لحَقِّ غَيْرِهِ قَبْل اسْتِئْذَانِهِ أَمْ لا؟ هَذَا عَلى ثَلاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الحَقُّ الذِي يَسْقُطُ بِالتَّصَرُّفِ قَدْ أَخَذَ بِهِ صَاحِبُهُ وَتَمَلكَهُ.
وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ قَدْ طَالبَ بِهِ صَرِيحًا أَوْ إيمَاءً.
الذِينَ أَنْ يَثْبُتَ لهُ الحَقُّ شَرْعًا وَلمْ يَأْخُذْ بِهِ وَلمْ يُطَالبْ بِهِ.
فَأَمَّا الأَوَّل: فَلا يَجُوزُ إسْقَاطُ حَقِّهِ وَلوْ ضَمِنَهُ بِالبَدَل كَعِتْقِ العَبْدِ المَرْهُونِ إذَا قُلنَا بِنُفُوذِهِ عَلى المَذْهَبِ المَشْهُورِ , فَإِنَّهُ لا يَجُوزُ , ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الأَصْحَابِ مِنْهُمْ القَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَصَاحِبُ الكَافِي مَعَ أَنَّ عِتْقَهُ يُوجِبُ ضَمَانَ قِيمَتِهِ يَكُونُ رَهْنًا لأَنَّ فِيهِ إسْقَاطًا لحَقِّهِ القَائِمِ فِي العَيْنِ بِغَيْرِ رِضَاهُ , وَكَذَلكَ إخْرَاجُ الرَّهْنِ بِالاسْتِيلادِ مُحَرَّمٌ وَلأَجْلهِ مَنَعْنَا أَصْل الوَطْءِ , وَكَذَلكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عِتْقُ المُفْلسِ المَحْجُورِ عَليْهِ إذَا نَفَّذْنَاهُ لأَنَّ غُرَمَاءَهُ قَدْ قَطَعُوا تَصَرُّفَهُ فِيهِ بِالحَجْرِ وَتَمَلكُوا المَال وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ أَيْضًا فِي تَبْذِيرِهِ قَبْل الحَجْرِ.
وَذَكَرَ القَاضِي فِي خِلافِهِ أَنَّ ظَاهِرَ كَلامِ أَحْمَدَ جَوَازُ عِتْقِ الرَّاهِنِ كَاقْتِصَاصِهِ مِنْ أَحَدِ عَبِيدِهِ المَرْهُونِينَ إذَا قَتَلهُ الآخَرُ وَلمْ يَذْكُرْ لذَلكَ نَصًّا , وَلعَلهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلهِ بِنُفُوذِ العِتْقِ وَلا يَدُل.
وَأَمَّا اقْتِصَاصُ الرَّاهِنِ مِنْ العَبْدِ المَرْهُونِ أَوْ مِنْ قَاتِلهِ , وَقَدْ صَرَّحَ القَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ بِأَنَّهُ يَجُوزُ لأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتًا لحَقِّ المُرْتَهِنِ مِنْ غَيْرِ الرَّهْنِ أَوْ قِيمَتِهِ الوَاجِبَةِ لهُ وَوَاجِبًا عَلى الرَّاهِنِ قِيمَتُهُ تَكُونُ رَهْنًا.