المسألة الثَّالِثَةُ: الْمُسْتَفَادُ بَعْدَ النِّصَابِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ، هَلْ يُضَمُّ إلَى النِّصَابِ أَوْ يُفْرَدُ عَنْهُ؟ إذَا اسْتَفَادَ مَالًا زَكَوِيًّا مِنْ جِنْسِ النِّصَابِ فِي أَثْنَاءِ حَوْلِهِ فَإِنَّهُ يُفْرَدُ بِحَوْلٍ عِنْدَنَا وَلَكِنْ هَلْ نَضُمُّهُ إلَى النِّصَابِ فِي الْعَدَدِ أوَنَخْلِطُهُ بِهِ وَيُزَكِّيهِ زَكَاة خلِطَة أَوْ يُفْرِدُهُ بِالزَّكَاةِ كَمَا أَفْرَدَهُ بِالْحَوْلِ فِيهِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُفْرِدُهُ بِالزَّكَاةِ كَمَا يُفْرِدُهُ بِالْحَوْلِ وَهَذَا الْوَجْهُ مُخْتَصٌّ بِمَا إذَا كَانَ الْمُسْتَفَادُ نِصَابًا أَوْ دُونَ نِصَابٍ وَلاَ يُعْتَبَرُ فَرْضُ النِّصَابِ أَمَّا إنْ كَانَ دُونَ نِصَابٍ وَتَغَيَّرَ فَرْضُ النِّصَابِ لَمْ يَتَأَتَّ فِيهِ هَذَا الْوَجْهُ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ شَرْحِ الْهِدَايَةِ لاِنَّهُ مَضْمُومٌ إلَى النِّصَابِ فِي الْعَدَدِ فَيَلْزَمُهُ حِينَئِذٍ جَعْلُ مَا لَيْسَ بِوَقْصٍ فِي الْمَالِ وَقْصًا وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَيَخْتَصُّ هَذَا الْوَجْهُ أَيْضًا بِالْحَوْلِ الأَوَّلِ دُونَ مَا بَعْدَهُ لاِنَّ مَا بَعْدَ الْحَوْلِ الأَوَّلِ تَجْتَمِعُ مَعَ النِّصَابِ فِي الْحَوْلِ كُلِّهِ بِخِلاَفِ الْحَوْلِ الأَوَّلِ صَرَّحَ بِذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ وَكَلاَمُ بَعْضِهِمْ يُشْعِرُ بِاطِّرَادِهِ فِي كُلِّ الأَحْوَالِ وَصَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ بِحِكَايَةِ ذَلِكَ وَجْهًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُزَكَّى زَكَاةَ خُلْطَةٍ وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ شَرْحِ الْهِدَايَةِ كَمَا لَوْ اخْتَلَطَ نَفْسَانِ فِي أَثْنَاءِ حَوْلٍ وَقَدْ ثَبَتَ لاِحَدِهِمَا حُكْمُ الاِنْفِرَادِ فِيهِ دُونَ صَاحِبِهِ وَزَعَمَ أَنَّ صَاحِبَ الْمُغْنِي ضَعَّفَهُ فِيهِ وَإِنَّمَا ضَعَّفَ الأَوَّلَ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُضَمُّ إلَى النِّصَابِ فَيُزَكَّى زَكَاةَ ضَمٍّ وَعَلَى هَذَا، فَهَلْ الزِّيَادَةُ كَنِصَابٍ مُنْفَرِدٍ أَمْ الِكُلّ نِصَابٍ وَاحِدٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا كَنِصَابٍ مُنْفَرِدٍ وَلَوْلاَ ذَلِكَ لَزَكَّى النِّصَابَ عَقِيبَ تَمَامِ حَوْلِهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ فَرْضِ الْمَجْمُوعِ وَلَمْ يُزَكِّ زَكَاةَ انْفِرَادٍ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ وَصَاحِبِ الْمُحَرَّرِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ نِصَابٌ وَاحِدٌ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ وَصَاحِبِ الْمُغْنِي وَهُوَ الأَظْهَرُ إنَّمَا زَكَاةُ النِّصَابِ زَكَاةُ انْفِرَادٍ لاِنْفِرَادِهِ فِي أَوَّلِ حَوْلِهِ الأَوَّلِ بِخِلاَفِ الْحَوْلِ الثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ فَعَلَى هَذَا إذَا تَمَّ حَوْلُ الْمُسْتَفَادِ وَجَبَ إخْرَاجُ بَقِيَّةِ الْمَجْمُوعِ بِكُلِّ حَالٍ لاِنَّهُ بِكَمَالِ حَوْلِهِ يَتِمُّ حَوْلُ الْجَمِيعِ. فَيَجِبُ تَتِمَّةُ زَكَاتِهِ وَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ عَنْ الْمُسْتَفَادِ بِخُصُوصِهِ، وَعَلَى الأَوَّلِ إذَا تَمَّ حَوْلُ الْمُسْتَفَادِ وَجَبَ فِيهِ مَا بَقِيَ مِنْ فَرْضِ الْجَمِيعِ بَعْدَ إسْقَاطِ مَا أَخْرَجَ عَنْ الأَوَّلِ مِنْهُ إلاَ أَنْ يَزِيدَ بَقِيَّةُ الْفَرْضِ عَلَى فَرْضِ الْمُسْتَفَادِ بِانْفِرَادِهِ أَوْ نَقَصَ عَنْهُ أَوْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ فَرْضِ الأَوَّلِ فَإِنَّهُ يَتَعَذَّرُ هَاهُنَا وَجْهُ الضَّمِّ وَيَتَعَيَّنُ وَجْهُ الْخُلْطَةِ وَيَلْغُو وَجْهُ الاِنْفِرَادِ أَيْضًا عَلَى مَا سَبَقَ وَبِهَذَا كُلِّهِ صَرَّحَ صَاحِبُ شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَبَنَاهُ عَلَى أَنَّ الْمُخْرَجَ عَنْ الْمُسْتَفَادِ بِخُصُوصِيَّتِهِ. وَيَظْهَرُ فَائِدَةُ اخْتِلاَفِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فِي أَنْوَاعٍ ثَلاَثَةٍ.