المسألة الثَّانِيَة: الزَّكَاةُ هَلْ تَجِبُ فِي عَيْنِ النِّصَابِ أَوْ ذِمَّةِ مَالِكِهِ؟ اخْتَلَفَ الأَصْحَابُ فِي ذَلِكَ عَلَى طُرُقٍ.
إحْدَاهَا: أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي الْعَيْنِ رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَالْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي الْخَطَّابِ فِي الاِنْتِصَارِ وَصَاحِبِ التَّلْخِيصِ مُتَابَعَةً لِلْخِرَقِيِّ
وَالثَّالِثَةُ: أَنَّهَا تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ وَتَتَعَلَّقُ بِالنِّصَابِ وَقَعَ ذَلِكَ فِي كَلاَمِ الْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّاب وَغَيْرِهِمَا وَهِيَ طَرِيقَةُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ.
وَالرَّابِعَةُ: أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: تَجِبُ فِي الْعَيْنِ وَالثَّانِيَةُ فِي الذِّمَّةِ وَهِيَ طَرِيقَةُ كَثِيرٍ مِنْ الأَصْحَابِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَفِي كَلاَمِ أَبِي بَكْرٍ فِي الشَّافِي مَا يَدُلُّ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ وَلَكِنَّ آخِرَ كَلاَمِهِ يُشْعِرُ بِتَنْزِيلِ الْقَوْلَيْنِ عَلَى اخْتِلاَفِ حَالَيْنِ وَهُمَا يَسَارُ الْمَالِكِ وَإِعْسَارُهُ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِي ذِمَّتِهِ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا وَجَبَتْ فِي عَيْنِ مَالِهِ وَهُوَ غَرِيبٌ.
وَلِلاِخْتِلاَفِ فِي مَحِلِّ التَّعَلُّقِ؛ هَلْ هُوَ الْعَيْنُ أَوْ الذِّمَّةُ؟ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ:
الفائدة الْأُولَى: إذَا مَلَكَ نِصَابًا وَاحِدًا وَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ أَحْوَالًا فَإِنْ قُلْنَا الزَّكَاةُ فِي الْعَيْنِ وَجَبَتْ زَكَاةُ الْحَوْلِ الأَوَّلِ دُونَ مَا بَعْدَهُ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَاخْتَارَهُ أَكْثَرُ الأَصْحَابِ لاِنَّ قَدْرَ الزَّكَاةِ زَالَ الْمِلْكُ فِيهِ عَلَى قَوْلٍ وَعَلَى آخَرَ ضَعُفَ الْمِلْكُ فِيهِ لاِسْتِحْقَاقِ تَمَلُّكِهِ وَالْمُسْتَحَقُّ فِي حُكْمِ الْمُؤَدَّى فَصَارَ كَالْمَنْذُورِ سَوَاءٌ، فَإِنَّ الْمَنْذُورَ يَجُوزُ عِنْدَنَا إبْدَالُهُ بِمِثْلِهِ وَهَذَا كَذَلِكَ وَإِنْ قُلْنَا الزَّكَاةُ فِي الذِّمَّةِ وَجَبَتْ لِكُلِّ حَوْلٍ إلاَ إذَا قُلْنَا: إنَّ دِينَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ. وَقَالَ السَّامِرِيُّ: يَتَكَرَّرُ زَكَاتُهُ لِكُلِّ حَوْلٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَتَأَوَّلَ كَلاَمَ أَحْمَدَ بِتَأْوِيلٍ فَاسِدٍ وَهَذَا فِيمَا كَانَتْ زَكَاتُهُ مِنْ جِنْسِهِ فَأَمَّا إنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ كَالإِبِلِ الْمُزَكَّاةِ بِالْغَنَمِ تَكَرَّرَتْ لِكُلِّ حَوْلٍ عَلَى كِلاَ الْقَوْلَيْنِ نَصَّ عَلَيْهِ مُعَلِّلًا بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ إخْرَاجَ جُزْءٍ مِنْهُ فَيَبْقَى الْمِلْكُ فِيهِ تَامًّا وَهَذَا مَا ذَكَرَ الْخَلاَلُ وَابْنُ أَبِي مُوسَى وَالْقَاضِي وَالأَكْثَرُونَ وَذَكَرَ الشِّيرَازِيُّ فِي الْمُبْهِجِ أَنَّهُ كَالأَوَّلِ لاَ يَجِبُ سِوَى زَكَاةٍ وَاحِدَةٍ وَمَتَى اسْتَأْصَلَتْ الزَّكَاةُ الْمَالَ سَقَطَتْ بَعْدَ ذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا عَلَى وُجُوبِهَا فِي الدَّيْنِ بَعْدَ اسْتِغْرَاقِهِ بِالزَّكَاةِ، فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ فِي الذِّمَّةِ وَإِمَّا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ بِأَنَّ الدَّيْنَ وَصْفٌ حُكْمِيٌّ لاَ وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ فَتَتَعَلَّقُ زَكَاتُهُ بِالذِّمَّةِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَلَكِنْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ وَاحِدٍ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ فِي امْتِنَاعِ الزَّكَاةِ فِيمَا بَعْدَ الْحَوْلِ الأَوَّلِ. وَصَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ.