الحُقُوقُ المُشْتَرَكَةُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا يَقَعُ اسْتِحْقَاقُ كُل وَاحِدٍ بِانْفِرَادِهِ لجَمِيعِ الحَقِّ وَيَتَزَاحَمُونَ فِيهِ عِنْدَ الاجْتِمَاعِ. وَالثَّانِي: مَا يَسْتَحِقُّ كُل وَاحِدٍ مِنْ الحَقِّ بِحِصَّتِهِ بِخَاصَّةٍ وَللأَوَّل أَمْثِلةٌ كَثِيرَةٌ:
منها: الشُّفَعَاءُ المُجْتَمِعُونَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ بِكَمَالهَا فَإِذَا عَفَى أَحَدُهُمْ عَنْ حَقِّهِ تَوَفَّرَ عَلى البَاقِينَ.
ومنها: غُرَمَاءُ المُفْلسِ الذِي لا يَفِي مَالهُ بِدَيْنِ كُل وَاحِدٍ عَلى انْفِرَادِهِ وَهُمْ كَالشُّفَعَاءِ.
ومنها: الأَوْليَاءُ المُتَسَاوُونَ فِي النِّكَاحِ.
ومنها: العَصَبَاتُ المُجْتَمِعُونَ فِي المِيرَاثِ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلى ذَلكَ لوْ اجْتَمَعَ اثْنَانِ نِصْفُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُرٌّ فَهَل يَسْتَحِقَّانِ المَال كُلهُ أَمْ لا؟ عَلى وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: يَسْتَحِقَّانِ جَمِيعَ المَال رَجَّحَهُ القَاضِي وَالسَّامِرِيُّ وَطَائِفَةٌ مِنْ الأَصْحَابِ , وَلهُ مَأْخَذَانِ أَحَدُهُمَا: جَمَعَ الحُرِّيَّةِ فِيهَا فَيَمْلكُ بِهَا حُرِّيَّةَ ابْنٍ وَهُوَ مَأْخَذُ أَبِي الخَطَّابِ وَغَيْرِهِ وَالثَّانِي أَنَّ حَقَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ كَمَال حُرِّيَّتِهِ فِي جَمِيعِ المَال لا فِي نِصْفِهِ وَإِنَّمَا أَخَذَ نِصْفَهُ لمُزَاحِمَةِ أَخِيهِ لهُ وَحِينَئِذٍ فَقَدْ أَخَذَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ المَال هُنَا وَهُوَ نِصْفُ حَقِّهِ مَعَ كَمَال حُرِّيَّتِهِ فَلمْ يَأْخُذْ زِيَادَةً عَلى قَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الحُرِّيَّةِ.
وَالوَجْهُ الثَّانِي: لا يَسْتَحِقَّانِ المَال كُلهُ لئَلا تَسْتَوِيَ حَال حُرِّيَّتِهِمَا الكَامِلةِ وَالمُبَعَّضَةِ.
وَهَل يَسْتَحِقَّانِ نِصْفَهُ تَنْزِيلًا لهُمَا حَاليْنِ أَوْ ثَلاثَةَ أَرْبَاعه تَنْزِيلًا لهُمَا على ثَلاثَةُ أَحْوَالٍ؟ عَلى وَجْهَيْنِ.
وَلوْ كَانَ ابْنٌ نِصْفُهُ حُرًّا مَعَ أُمٍّ فَعَلى المَأْخَذِ الثَّانِي فِي الوَجْهِ الأَوَّل يَتَوَجَّهُ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَ المَال كُلهِ وَهُوَ أَحَدُ الوُجُوهِ للأَصْحَابِ وَرَجَّحَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَذَكَرَ أَنَّهُ اخْتِيَارُ أَبِيهِ , وقِيل: يَأْخُذُ نِصْفَ البَاقِي بَعْدَ رُبْعِ الأُمِّ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَالقَاضِي فِي خِلافِهِ.
وَقِيل يَأْخُذُ نِصْفَ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ حَال كَمَال الحُرِّيَّةِ وَهُوَ هُنَا رُبْعُ وسُّدُسِ وَهُوَ الذِي ذَكَرَهُ إبْرَاهِيمُ الحَرْبِيُّ فِي كِتَابِ الفَرَائِضِ وَاخْتَارَهُ القَاضِي فِي المُجَرَّدِ وَابْنِ عَقِيلٍ وَصَاحِبُ المُحَرَّرِ ; لأَنَّ القَدْرَ الذِي حُجِبَتْ عَنْهُ الأُمُّ يَسْتَحِقُّهُ كُلهُ وَإِنَّمَا يَتَنَصَّفُ عَليْهِ مَا عَدَاهُ.
ومنها: ذوو الفُرُوضِ المُجْتَمِعُونَ المُزْدَحِمُونَ فِي فَرْضٍ وَاحِدٍ كَالزَّوْجَاتِ وَالجَدَّاتِ , وَيَتَفَرَّعُ عَلى هَذَا إذَا اجْتَمَعَتْ جَدَّتَانِ أُمُّ أُمٍّ وَأُمُّ أَبٍ مَعَ ابْنِهَا الأَبِ وَقُلنَا إنَّهُ يَحْجُبُهَا فَهَل تَسْتَحِقُّ الأُمُّ السُّدُسَ كُلهُ أَوْ نِصْفَهُ عَلى وَجْهَيْنِ , أَصَحُّهُمَا أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ السُّدُسَ كُلهُ لزَوَال المُزَاحِمَةِ مَعَ قِيَامِ الاسْتِحْقَاقِ لجَمِيعِهِ , وَالثَّانِي يَسْتَحِقُّ نِصْفَهُ وَلهُ مَأْخَذَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ أُمَّ الأَبِ تَحْجُبُهَا عَنْ السُّدُسِ إلى نِصْفِهِ فَلا أَثَرَ لكَوْنِهَا مَحْجُوبَةً كَمَا يَحْجُبُ وَلدُ الأُمِّ