الأُمَّ مَعَ انْحِجَابِهِمْ بِالأَبِ وَفِيهِ نَظَرٌ , فَإِنَّ حَجْبَ الأُمِّ إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ المُزَاحِمَةِ وَلا مُزَاحَمَةَ هُنَا.
وَحَجْبُ الإِخْوَةِ للأُمِّ ليْسَ بِالمُزَاحَمَةِ فَإِنَّهُمْ لا يُشَارِكُونَهَا فِي فَرْضِهَا وَإِنَّمَا وُجُودُهُمْ هُوَ مُقْتَضٍ لتَنْقِيصِ فَرْضِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ أُمَّ الأَبِ لهَا مَعَ أُمِّ الأُمِّ نِصْفُ السُّدُسِ فَلمَّا حَجَبَ الأَبُ أُمَّهُ تَوَفَّرَ ذَلكَ عَليْهِ لا عَلى الأُخْرَى , وَرُدَّ بِأَنَّ وَلدَ الأُمِّ يَحْجُبُونَ الأُمَّ عَنْ السُّدُسِ ثُمَّ لا يَأْخُذُونَهُ بَل يَتَوَفَّرُ عَلى الأَبِ , وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ وَلدَ الأُمِّ لمَّا كَانُوا مَحْجُوبِينَ بِالأَبِ تَوَفَّرَ مَا حَجَبُوا عَنْهُ الأُمَّ عَلى مَنْ حَجَبَهُمْ وَهُوَ الأَبُ كَذَلكَ هُنَا.
ومنها: الوَصَايَا المُزْدَحِمَةُ فِي عَيْنٍ أَوْ مِقْدَارٍ مِنْ مَالٍ فَإِنَّ حَقَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي مَجْمُوعِ وَصِيَّتِهِ وَإِنَّمَا يَأْخُذُ دُونَ ذَلكَ للمُزَاحَمَةِ فَإِذَا رُدَّ بَعْضُهُمْ تَوَفَّرَ عَلى البَاقِينَ وَإِنْ أَجَازَ الوَرَثَةُ بَعْضَ الوَصَايَا دُونَ بَعْضٍ فَهَل يُعْطَى المُجَازَ لهُ القَدْرَ الذِي كَانَ يَأْخُذُهُ فِي حَال الإِجَازَةِ للكُل أَوْ يُكْمَل لهُ الجُزْءُ المُسَمَّى فِي الوَصِيَّةِ كُلهُ إنْ أَمْكَنَ لقِيَامِ اسْتِحْقَاقِهِ لهُ وَقَدْ أَمْكَنَ وُصُولهُ إليْهِ بِزَوَال المُزَاحَمَةِ بِالرَّدِّ عَلى غَيْرِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ , صَحَّحَ صَاحِبُ المُحَرَّرِ.
الثَّانِي: وَمَنْ رَجَّحَ الأَوَّل قَال القَدْرُ المُزَاحَمُ بِهِ كَانَ حَقًّا للمُزَاحِمِ فَإِذَا رَدَّهُ الوَرَثَةُ عَليْهِ تَوَفَّرَ عَليْهِمْ لا عَلى الوَصِيَّةِ الأُخْرَى.
وَيَشْهَدُ للأَوَّل مَا ذَكَرَهُ الخِرَقِيِّ وَابْنُ حَامِدٍ وَالقَاضِي وَالأَصْحَابُ فِيمَنْ وَصَّى لرَجُلٍ بِعَبْدٍ قِيمَتُهُ ثُلثُ مَالهِ وَلآخَرَ بِثُلثِ مَالهِ.
فَإِنْ أَجَازَهُ الوَرَثَةُ َللمُوصَى لهُ بِالعَبْدِ ثَلاثَةُ أَرْبَاعِهِ لمُزَاحَمَةِ الآخَرِ لهُ فِيهِ وَلصَاحِبِ الثُّلثِ رُبْعُ العَبْدِ وَثُلثُ بَاقِي المَال وَإِنْ رَدُّوا قُسِّمَ الثُّلثُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَيَأْخُذُ صَاحِبُ وَصِيَّةِ العَبْدِ بِقَدْرِ سُدُسِ المَال كُلهِ مِنْ العَبْدِ وَيَأْخُذُ الآخَرُ سُدُسَ العَبْدِ وَسُدُسَ بَاقِي المَال لزَوَال المُزَاحِمَةِ بِالرَّدِّ فَأَمْكَنَ وُصُول كُلٍّ مِنْهُمَا إلى نِصْفِ مَا سَمَّى لهُ كَامِلًا فَلا يَنْقُصُ مِنْهُ.
وَخَرَّجَ صَاحِبُ المُحَرَّرِ وَجْهًا آخَرَ مِنْ الوَجْهِ الثَّانِي فِي المَسْأَلةِ التِي قَبْلهَا أَنَّهُ يُقَسِّمُ الثُّلثَ بَيْنَهُمَا عَلى حَسَبِ مَا كَانَ يَقْتَسِمَانِ وَصِيَّتَهُمَا حَال الإِجَازَةِ فَيَفْضُل نَصِيبُ صَاحِبِ الثُّلثِ عَلى نَصِيبِ صَاحِبِ العَبْدِ وَهُوَ اخْتِيَارُ صَاحِبِ المُغْنِي تَسْوِيَةً بَيْنَ الاثنين فِي الرَّدِّ وَالإِجَازَةِ.
وَفِي تَخْرِيجِ هَذِا من المَسْأَلةِ التِي قَبْلهَا نَظَرٌ ; لأَنَّ الوَرَثَةَ هُنَاكَ قَدْ يَكُونُ مَقْصُودُهُمْ بِالرَّدِّ عَلى أَحَدِهِمَا تَوْفِيرَ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ بِالمُزَاحَمَةِ عَليْهِمْ كَمَا لوْ أَجَازُوا لصَاحِبِ الوَصِيَّةِ بِالكُل وَرَدُّوا عَلى المُوصَى لهُ بِالثُّلثِ فَلوْ أَعْطَيْنَا صَاحِبَ الكُل مَا رَدُّوهُ عَلى صَاحِبِ الثُّلثِ لمْ يَبْقَ فِي رَدِّهِمْ فَائِدَةٌ لهُمْ.
وَهُنَا لا يَخْرُجُ عَنْهُمْ سِوَى الثُّلثِ فَيَنْبَغِي أَنْ تُقَسَّمَ الوَصِيَّتَانِ عَلى قَدْرِهِمَا عَمَلًا بِمُرَادِ المُوصِي مِنْ التَّسْوِيَةِ حَيْثُ أَمْكَنَ وَلا ضَرَرَ عَلى الوَرَثَةِ فِي ذَلكَ.