فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 593

القَاعِدَةُ السَّابِعَة وَالثَّلاثُونَ:

فِي تَوَارُدِ العُقُودِ المُخْتَلفَةِ بَعْضِهَا عَلى بَعْضٍ , وَتَدَاخُل أَحْكَامِهَا وَيَنْدَرِجُ تَحْتَهَا صُوَرٌ: مِنْهَا: إذَا رَهَنَهُ شَيْئًا ثُمَّ أَذِنَ لهُ فِي الانْتِفَاعِ بِهِ , فَهَل يَصِيرُ عَارِيَّةً حَالةَ الانْتِفَاعِ أَمْ لا؟ قَال القَاضِي فِي خِلافِهِ , وَابْنُ عَقِيلٍ فِي نَظَرِيَّاتِهِ , وَصَاحِبُ المُغْنِي وَالتَّلخِيصِ: يَصِيرُ مَضْمُونًا بِالانْتِفَاعِ لأَنَّ ذَلكَ حَقِيقَةُ العَارِيَّةِ , وَأَوْرَدَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي نَظَرِيَّاتِهِ فِي وَقْتِ ضَمَانِهِ احْتِمَاليْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لا يَصِيرُ مَضْمُونًا بِدُونِ الانْتِفَاعِ.

وَالثَّانِي: يَصِيرُ مَضْمُونًا بِمُجَرَّدِ القَبْضِ إذَا قَبَضَهُ عَلى هَذَا الشَّرْطِ , لأَنَّهُ صَارَ مُمْسِكًا للعَيْنِ لمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ مُنْفَرِدًا بِهِ , وَهَل يَزُول لزُومُهُ أَمْ لا؟ يَنْبَنِي عَلى أَنَّ إعَارَةَ الرَّاهِنِ بِإِذْنِ المُرْتَهِنِ هَل يُزِيل لزُومَ الرَّهْنِ أَمْ لا؟ وَفِيهِ طَرِيقَانِ:

إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ عَلى رِوَايَتَيْنِ وَهِيَ طَرِيقَةُ المُحَرَّرِ.

وَالثَّانِيَة: إنْ أَعَارَهُ المُرْتَهِنُ لمْ يَزُل اللزُومُ بِخِلافِ غَيْرِهِ وَهِيَ طَرِيقَةُ المُغْنِي.

وَقَال صَاحِبُ المُحَرَّرِ فِي شَرْحِ الهِدَايَةِ: ظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لا يَصِيرُ مَضْمُونًا بِحَالٍ وَيَشْهَدُ لهُ قَوْل أَبِي بَكْرٍ فِي خِلافِهِ: شَرْطُ مَنْفَعَةِ الرَّهْنِ بَاطِلٌ وَهُوَ رَهْنٌ بِحَالهِ.

وَمِنْهَا: إذَا أَوْدَعَهُ شَيْئًا ثُمَّ أَذِنَ لهُ فِي الانْتِفَاعِ بِهِ , فَقَال القَاضِي فِي خِلافِهِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي نَظَرِيَّاتِهِ وَصَاحِبُ التَّلخِيصِ: يَصِيرُ مَضْمُونًا حَالةَ الانْتِفَاعِ لمَصِيرِهِ عَارِيَّةً حِينَئِذٍ قَال ابْنُ عَقِيلٍ: وَلا يَضْمَنُ بِالقَبْضِ قَبْل الانْتِفَاعِ هَاهُنَا لأَنَّهُ لمْ يُمْسِكْهُ لمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ مُنْفَرِدًا بَل لمَنْفَعَتِهِ وَمَنْفَعَةِ مَالكِهِ , بِخِلافِ الرَّهْنِ.

وَمِنْ المُتَأَخِّرِينَ مَنْ قَال: ظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لا يَصِيرُ مَضْمُونًا أَيْضًا كَالرَّهْنِ , وَفَرَّقَ صَاحِبُ المُحَرَّرِ بَيْنَهُمَا , وَلا اخْتِلافَ هَاهُنَا بَيْنَ العَقْدَيْنِ فِي الجَوَازِ إلا أَنْ يَكُونَ مُدَّةَ الانْتِفَاعِ مُؤَقَّتَةً فَيُخَرَّجُ فِيهَا وَجْهٌ بِاللزُومِ مِنْ رِوَايَةِ لزُومِ العَارِيَّةِ المُؤَقَّتَةِ.

وَمِنْهَا: إذَا أَعَارَهُ شَيْئًا ليَرْهَنَهُ صَحَّ نَصَّ عَليْهِ , وَنَقَل ابْنُ المُنْذِرِ الاتِّفَاقَ عَليْهِ وَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلى الرَّاهِنِ ; لأَنَّهُ مُسْتَعِيرٌ وَأَمَانَةٌ عِنْدَ المُرْتَهِنِ عَليْهِ , وَأَمَّا اللزُومُ وَعَدَمُهُ فَقَال الأَصْحَابُ: هُوَ لازِمٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الرَّاهِنِ وَالمَالكِ , لكِنْ للمَالكِ المُطَالبَةُ بالافتكاك, فَإِذَا انْفَكَّ زَال اللزُومُ فَيَرْجِعُ فِيهِ المِالكُ , وَاسْتَشْكَل ذَلكَ الحَارِثِيُّ وَقَال: إمَّا أَنْ يَكُونَ لازِمًا فَلا يَمْلكُ المَالكُ المُطَالبَةَ قَبْل الأَجَل وَتَكُونُ العَارِيَّةُ هُنَا لازِمَةً لتَعَلقِ حَقِّ الغَيْرِ وَحُصُول الضَّرَرِ بِالرُّجُوعِ كَمَا فِي العَارِيَّةِ كَبِنَاءِ حَائِطٍ وَوَضْعِ خَشَبٍ وَشَبَهِهِمَا انْتَهَى.

وَصَرَّحَ أَبُو الخَطَّاب فِي انْتِصَارِهِ بِعَدَمِ لزُومِهِ فَإِنَّ للمَالكِ انْتِزَاعُهُ مِنْ يَدِ المُرْتَهِنِ فَيَبْطُل الرَّهْنُ.

وَمِنْهَا: لوْ أَعَارَهُ شَيْئًا ثُمَّ رَهَنَهُ عِنْدَهُ.

فَقَال أَبُو البَرَكَاتِ فِي الشَّرْحِ: قِيَاسُ المَذْهَبِ صِحَّتُهُ وَيَسْقُطُ ضَمَانُ العَارِيَّةِ لأَنَّهَا ليْسَتْ لازِمَةً , وَعَقْدُ هَذِهِ الأَمَانَةِ لازِمٌ , ثُمَّ أَخَذَهُ مِنْ كَلامِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي وُرُودِ عَقْدِ الإِعَارَةِ عَلى الرَّاهِنِ كَمَا سَبَقَ , وَيَتَخَرَّجُ فِي هَذِهِ المَسْأَلةِ مَا فِي تِلكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت