الحَمْل هَل لهُ حُكْمٌ قَبْل انْفِصَالهِ أَمْ لا؟ حَكَى القَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا فِي المَسْأَلةِ رِوَايَتَيْنِ قَالوا: وَالصَّحِيحُ مِنْ المَذْهَبِ أَنَّ لهُ حُكْمًا وَهَذَا الكَلامُ عَلى إطْلاقِهِ قَدْ يَسْتَشْكِل فَإِنَّ الحَمْل يَتَعَلقُ بِهِ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ ثَابِتَةٌ بِالاتِّفَاقِ مِثْل: عَزْل المِيرَاثِ لهُ وَصِحَّةِ الوَصِيَّةِ لهُ وَوُجُوبِ الغُرَّةِ بِقَتْلهِ وَتَأْخِيرِ إقَامَةِ الحُدُودِ وَاسْتِيفَاءِ القِصَاصِ مِنْ أُمِّهِ حَتَّى تَضَعَهُ وَإِبَاحَةِ الفِطْرِ لهَا إذَا خَشِيتَ عَليْهِ وَوُجُوبِ النَّفَقَةِ لهَا إذَا كَانَتْ بَائِنًا وَإِبَاحَةِ طَلاقِهَا وَإِنْ كَانَتْ مَوْطُوءَةً فِي ذَلكَ الطُّهْرِ قَبْل ظُهُورِهِ إلى غَيْرِ ذَلكَ مِنْ الأَحْكَامِ وَلمْ يُرِيدُوا إدْخَال مِثْل هَذِهِ الأَحْكَامِ فِي مَحَل الرِّوَايَتَيْنِ.
وَفَصْل القَوْل فِي ذَلكَ أَنَّ الأَحْكَامَ المُتَعَلقَةَ بِالحَمْل نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا يَتَعَلقُ بِسَبَبِ الحَمْل بِغَيْرِهِ فَهَذَا ثَابِتٌ بِالاتِّفَاقِ لأَنَّ الأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ تَتَعَلقُ عَلى الأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ فَإِذَا ظَهَرَتْ أَمَارَةُ الحَمْل كَانَ وُجُودُهُ هُوَ الظَّاهِرُ فَتَرَتَّبَ عَليْهِ أَحْكَامُهُ فِي الظَّاهِرِ فَإِنْ خَرَجَ حَيًّا تَبَيَّنَّا ثُبُوتَ تِلكَ الأَحْكَامِ فِي البَاطِنِ وَإِنْ بَانَ أَنَّهُ لمْ يَكُنْ حَمْلٌ أَوْ خَرَجَ مَيِّتًا تَبَيَّنَّا فَسَادَ مَا يَتَعَلقُ مِنْ الأَحْكَامِ بِهِ أَوْ بِحَيَاتِهِ كَإِرْثِهِ وَوَصِيَّتِهِ وَهَذِهِ الأَحْكَامُ كَثِيرَةٌ جِدًّا وَبَعْضُهَا مُتَّفَقٌ عَليْهِ وَبَعْضُهَا فِيهِ اخْتِلافٌ.
فَمِنْ أَحْكَامِهِ: إذَا مَاتَتْ كَافِرَةً وَفِي بَطْنِهَا حَمْلٌ مَحْكُومٌ بِإِسْلامِهِ لمْ يُدْفَنْ فِي مَقَابِرِ الكُفَّارِ لحُرْمَةِ الحَمْل.
وَمِنْهَا: إخْرَاجُ الفِطْرَةِ عَنْ الحَمْل وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ وَفِي وُجُوبِهَا طَرِيقَانِ للأَصْحَابِ مِنْهُمْ مَنْ جَزَمَ بِنَفْيِ الوُجُوبِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَال فِي المَسْأَلةِ رِوَايَتَانِ.
وَمِنْهَا: فِطْرُ الحَامِل إذَا خَافَتْ عَلى جَنِينِهَا مِنْ الصَّوْمِ وَيَجِبُ عَليْهَا القَضَاءُ وَالكَفَّارَةُ وَهَل الكَفَّارَةُ مِنْ مَالهَا أَوْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَنْ يَلزَمُهُ نَفَقَةُ الحَمْل؟ عَلى احْتِمَاليْنِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ.
وَمِنْهَا: إذَا اشْتَرَى جَارِيَةً فَبَانَتْ حَامِلًا فَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالبٍ: أَنَّ البَائِعَ إنْ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا رُدَّتْ إليْهِ لأَنَّهَا أُمُّ وَلدٍ لهُ وَإِنْ أَنْكَرَ فَإِنْ شَاءَ المُشْتَرِي رَدَّهَا وَإِنْ شَاءَ لمْ يَرُدَّهَا فَأُبْطِل