المَاءُ الجَارِي هَل هُوَ كَالرَّاكِدِ أَوْ كُل جرية مِنْهُ لهَا حُكْمُ المَاءِ المُنْفَرِدِ؟
فِيهِ خِلافٌ فِي المَذْهَبِ يَنْبَنِي عَليْهِ مَسَائِل:
منها: لوْ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَهَل يُعْتَبَرُ مَجْمُوعُهُ، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لمْ يَنْجُسْ بِدُونِ تَغَيُّرٍ وَإِلا نَجُسَ أَوْ تُعْتَبَرُ كُل جَرْيَةٍ بِانْفِرَادِهَا فَإِنْ بَلغَتْ قُلتَيْنِ لمْ يَنْجُسْ وَإِلا نَجُسَتْ.
فِيهِ رِوَايَتَانِ حَكَاهُمَا الشِّيرَازِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَالثَّانِيَةُ: المَذْهَبُ عِنْدَ القَاضِي.
ومنها: لوْ غُمِسَ الإِنَاءُ النَّجِسُ فِي مَاءٍ جَارٍ وَمَرَّتْ عَليْهِ سَبْعُ جَرْيَاتٍ فَهَل ذَلكَ غَسْلةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ سَبْعُ غَسَلاتٍ؟ عَلى وَجْهَيْنِ: حَكَاهُمَا أَبُو الحَسَنِ بْنُ الغَازِي تِلمِيذُ الآمِدِيِّ، وَذَكَرَ أَنَّ ظَاهِرَ كَلامِ الأَصْحَابِ أَنَّ ذَلكَ غَسْلةٌ وَاحِدَةٌ، وَفِي شَرْحِ المَذْهَبِ للقَاضِي: أَنَّ كَلامَ أَحْمَدَ يَدُل عَليْهِ، وَكَذَلكَ لوْ كَانَ ثَوْبًا وَنَحْوِهِ وَعَصَرَهُ عَقِيبَ كُل جَرْيَةٍ.
ومنها: لوْ انْغَمَسَ المُحْدِثُ حَدَثًا أَصْغَرَ فِي مَاءٍ جَارٍ للوُضُوءِ وَمَرَّتْ عَليْهِ أَرْبَعُ جَرْيَاتٍ مُتَوَاليَةٍ فَهَل يَرْتَفِعُ بِذَلكَ حَدَثُهُ أَمْ لا؟ عَلى وَجْهَيْنِ: أَشْهَرُهُمَا عِنْدَ الأَصْحَابِ أَنَّهُ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ.
وَقَال أَبُو الخَطَّابِ فِي الانْتِصَارِ: ظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لا يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ لأَنَّهُ لمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الجَارِي وَالرَّاكِدِ.
قُلتُ: بَل نَصَّ أَحْمَدُ عَلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الحَكَمِ، وَأَنَّهُ إذَا انْغَمَسَ فِي دِجْلةَ فَإِنَّهُ لا يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ حَتَّى يُخْرِجَ حَدَثَهُ مُرَتَّبًا.
ومنها: لوْ حَلفَ لا يَقِفُ فِي هَذَا المَاءِ وَكَانَ جَارِيًا لمْ يَحْنَثْ عِنْدَ أَبِي الخَطَّابِ وَغَيْرِهِ؛ لأَنَّ الجَارِيَ يَتَبَدَّل وَيَسْتَخْلفُ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَلا يُتَصَوَّرُ الوُقُوفُ فِيهِ.
وَقِيَاسُ المَنْصُوصِ أَنَّهُ يَحْنَثُ، لا سِيَّمَا وَالعُرْفُ يَشْهَدُ لهُ وَالأَيْمَانُ مَرْجِعُهَا إلى العُرْفِ، ثُمَّ وَجَدْت القَاضِيَ فِي الجَامِعِ الكَبِيرِ ذَكَرَ نَحْوَ هَذَا [وَاَللهُ أَعْلمُ] .