العَبْدِ عَمَّا يَخَافُ مِنْ لحَاقِهِ بِدَارِ الحَرْبِ وَالسَّعْيِ فِي الأَرْضِ بِالفَسَادِ وَلهَذَا المَعْنَى اخْتَصَّ الوُجُوبُ بِرَدِّ الآبِقِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الحَيَوَانِ وَالمَتَاعِ وَسَوَاءٌ كَانَ مَعْرُوفًا بِرَدِّ الإِبَاقِ أَوْ لمْ يَكُنْ إلا السُّلطَانُ فَإِنَّهُ لا شَيْءَ لهُ نَصَّ عَليْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ لانْتِصَابِهِ للمَصَالحِ وَلهُ حَقٌّ فِي بَيْتِ المَال عَلى ذَلكَ وَكَذَلكَ لمْ يَكُنْ لهُ الأَكْل مِنْ مَال اليَتِيمِ كَمَا سَبَقَ.
وَمِنْهَا: مَنْ أَنْقَذَ مَال غَيْرِهِ مِنْ التَّلفِ كَمَنْ خَلصَ عَبْدَ غَيْرِهِ مِنْ فَلاة مُهْلكَةٍ أَوْ مَتَاعَهُ مِنْ مَوْضِعٍ يَكُونُ هَلاكُهُ فِيهِ مُحَقَّقًا أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ بِالبَحْرِ وَفَمِ السُّبُعِ فَنَصَّ أَحْمَدُ عَلى وُجُوبِ الأُجْرَةِ لهُ فِي المَتَاعِ وَذَكَرَهُ القَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَصَاحِبُ المُغْنِي فِي العَبْدِ أَيْضًا وَحَكَى القَاضِي فِيهِ احْتِمَالًا بِعَدَمِ الوُجُوبِ كَاللقَطَةِ وَأَوْرَدَ فِي المُجَرَّدِ عَنْ نَصِّ أَحْمَدَ فِيمَنْ خَلصَ مِنْ فَمِ السَّبُعِ شَاةً أَوْ خَرُوفًا أَوْ غَيْرَهُمَا فَهُوَ لمَالكِهِ الأَوَّل وَلا شَيْءَ للمُخَلصِ وَالصَّحِيحُ الأَوَّل لأَنَّ هَذَا يُخْشَى هَلاكُهُ وَتَلفُهُ عَلى مَالكِهِ بِخِلافِ اللقَطَةِ وَكَذَلكَ لوْ انْكَسَرَتْ السَّفِينَةُ فَخَلصَ قَوْمٌ الأَمْوَال مِنْ البَحْرِ فَإِنَّهُ يَجِبُ لهُمْ الأُجْرَةُ عَلى المُلاكِ على مَا ذَكَرَهُ فِي المُغْنِي لأَنَّ فِيهِ حَثًّا وَتَرْغِيبًا فِي إنْقَاذِ الأَمْوَال مِنْ التَّهْلكَةِ فَإِنَّ الغَوَّاصَ إذَا عَلمَ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الأُجْرَةَ غَرَّرَ بِنَفْسِهِ وَبَادَرَ إلى التَّخْليصِ بِخِلافِ مَا إذَا عَلمَ أَنَّهُ لا شَيْءَ لهُ فَهُوَ فِي مَعْنَى رَدِّ الآبِقِ.
وَفِي مُسَوَّدَةِ شَرْحِ الهِدَايَةِ لأَبِي البَرَكَاتِ: وَعِنْدِي أَنَّ كَلامَ أَحْمَدَ عَلى ظَاهِرِهِ فِي وُجُوبِ الأُجْرَةِ عَلى تَخْليصِ المَتَاعِ مِنْ المَهَالكِ دُونَ الآدَمِيِّ لأَنَّ الآدَمِيَّ أَهْلٌ فِي الجُمْلةِ لحِفْظِ نَفْسِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَقَدْ يَكُونُ صَغِيرًا أَوْ عَاجِزًا وَتَخْليصُهُ أَهَمُّ وَأَوْلى مِنْ المَتَاعِ وَليْسَ فِي كَلامِ أَحْمَدَ تَفْرِقَةٌ فَأَمَّا مَنْ عَمِل فِي مَال غَيْرِهِ عَلى غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا فَالمَعْرُوفُ مِنْ المَذْهَبِ أَنَّهُ لا أُجْرَةَ لهُ.
وَنَقَل أَبُو جَعْفَرٍ الجُرْجَانِيُّ عَنْ أَحْمَدَ فِي رَجُلٍ عَمِل فِي قَنَاةِ رَجُلٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَقَال: لهَذَا الذِي عَمِل نَفَقَتُهُ إذَا عَمِل مَا يَكُونُ مَصْلحَةً لصَاحِبِ القَنَاةِ وَهَذِهِ تَتَخَرَّجُ عَلى أَصْليْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الغَاصِبَ يَكُونُ شَرِيكًا بِآثَارِ عَمَلهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُجْبَرَ عَلى أَخْذِ قِيمَةِ آثَارِ عَمَلهِ مِنْ المَالكِ لتَمَلكِهَا عَليْهِ وَخَرَّجَ القَاضِي فِي خِلافِهِ بِأَنْ يَكُونَ شَرِيكًا بِآثَارِ عَمَلهِ إذَا زَادَتْ بِهِ القِيمَةُ وَذَكَرَ نَصَّ أَحْمَدَ فِي العَمَل فِي القَنَاةِ مِنْ رِوَايَةِ حَرْبٍ وَابْنِ هَانِئٍ وَتَبِعَهُ عَلى ذَلكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الأَصْحَابِ وَحَمَل ابْنُ عَقِيلٍ فِي مُفْرَدَاتِهِ هَذِهِ النُّصُوصَ عَلى أَنَّ العَامِل هُنَا فِي القَنَاةِ كَانَ شَرِيكًا فِيهَا وَليْسَ فِي المَنْصُوصِ شَيْءٌ يُشْعِرُ بِذَلكَ وَمِنْ الأَصْحَابِ مَنْ أَقَرَّ النُّصُوصَ عَلى ظَاهِرِهَا وَجَعَل هَذَا الحُكْمَ مُطَّرِدًا فِي كُل مَنْ عَمِل عَمَلًا لغَيْرِهِ فِيهِ مَصْلحَةٌ لهُ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إليْهِ كَحَصَادِ زَرْعِهِ وَالاسْتِخْرَاجِ مِنْ مَعْدِنِهِ وَنَحْوِ ذَلكَ تَخْرِيجًا مِنْ العَمَل فِي القَنَاةِ وَمِنْهُمْ الحَارِثِيُّ وَكَأَنَّهُمْ جَعَلوهُ بِمَنْزِلةِ تَصَرُّفِ الفُضُوليِّ فَللمَالكِ حِينَئِذٍ أَنْ يُمْضِيَهُ وَيَرُدَّ عِوَضَهُ وَهُوَ أُجْرَةُ المِثْل وَلهُ أَنْ لا يُمْضِيَهُ فَيَكُونُ العَامِل شَرِيكًا بِالعَمَل.