وَالأَخْذَ بِحَقِّهِ وَقَدْ زَال فَإِنْ نَهَى الشَّفِيعُ المُشْتَرِيَ عَنْ التَّصَرُّفِ وَلمْ يُطَالبْ بِهَا لمْ يَصِرْ المُشْتَرِي مَمْنُوعًا , بَل تَسْقُطُ الشُّفْعَةُ عَلى قَوْلنَا هِيَ عَلى الفَوْرِ ذَكَرَهُ القَاضِي فِي خِلافِهِ.
وَمِنْهَا: إذَا حَل الدَّيْنُ عَلى الغَرِيمِ وَأَرَادَ السَّفَرَ فَإِنْ مَنَعَهُ غَرِيمُهُ مِنْ ذَلكَ لمْ يَجُزْ لهُ السَّفَرُ , وَإِنْ فَعَلهُ كَانَ عَاصِيًا بِهِ لأَنَّهُ حَبَسَهُ وَلهُ وِلايَةُ حَبْسِهِ لاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ كَالمُرْتَهِنِ فِي الرَّهْنِ وَإِنْ لمْ يَمْنَعْهُ فَهَل لهُ الإِقْدَامُ عَلى السَّفَرِ؟ ذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِيهِ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لأَنَّ الحَبْسَ عُقُوبَةٌ لا يَتَوَجَّهُ بِدُونِ الطَّلبِ وَالالتِزَامِ.
وَالثَّانِي: لا لأَنَّهُ يَمْنَعُ بِسَفَرِهِ حَقًّا وَاجِبًا عَليْهِ لثُبُوتِ الحَبْسِ فِي حَقِّهِ بَل لمَا يَلزَمُ فِي سَفَرِهِ مِنْ تَأْخِيرِ الحَقِّ الوَاجِبِ عَليْهِ.
وَمِنْهَا: المُفْلسِ إذَا طَلبَ البَائِعُ مِنْهُ سِلعَتَهُ التِي يَرْجِعُ بِهَا قَبْل الحَجْرِ لمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُ نَصَّ عَليْهِ.
قَال إسْمَاعِيل بْنُ سَعِيدٍ: سَأَلت أَحْمَدَ عَنْ المُفْلسِ هَل يَجُوزُ فِعْلهُ فِيمَا اشْتَرَى قَبْل أَنْ يُطَالبَ البَائِعَ مِنْهُ بِمَا بَايَعَ المُشْتَرِيَ عَليْهِ؟ فَقَال: إنْ أَحْدَثَ فِيهِ المُشْتَرِي عِتْقًا أَوْ بَيْعًا أَوْ هِبَةً فَهُوَ جَائِزٌ مَا لمْ يُطَالبْ البَائِعُ , وَذَلكَ أَنَّ الحَدِيثَ قَال:"هُوَ أَحَقُّ بِهِ"فَلا يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ إلا بِالطَّلبِ فَلعَلهُ أَنْ لا يُطَالبَهُ قُلت: أَرَأَيْت إنْ طَلبَهُ فَلمْ يَدْفَعْهُ إليْهِ؟ قَال: فَلا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلا هِبَتُهُ وَلا صَدَقَتُهُ بَعْدَ الطَّلبِ وَنَقَل عَنْهُ إسْمَاعِيل أَيْضًا كَلامًا يَدُل عَلى أَنَّ مُطَالبَةَ البَائِعِ تَثْبُتُ إمَّا بِتَفْليسِ الحَاكِمِ أَوْ بِاشْتِهَارِ فَلسِهِ بَيْنَ النَّاسِ , وَكَذَلكَ نَقَل عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الزبداني أَنَّ اشْتِهَارَ فَلسِهِ بِظُهُورِ أَمَارَاتِهِ يَمْنَعُ نُفُوذَ تَصَرُّفَاتِهِ مُطْلقًا.
وَمِنْهَا: لوْ وُجِدَ مُضْطَرًّا وَعِنْدَهُ طَعَامٌ فَاضِلٌ فَبَادَرَ فَبَاعَهُ أَوْ رَهَنَهُ هَل يَصِحُّ؟ قَال أَبُو الخَطَّابِ فِي الانْتِصَارِ: فِي الرَّهْنِ يَصِحُّ , وَيَسْتَحِقُّ أَخْذَهُ مِنْ يَدِ المُرْتَهِنِ وَالبَائِعُ مِثْلهُ , ولمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ مَا قَبْل الطَّلبِ وَبَعْدَهُ , وَالأَظْهَرُ أَنَّهُ لا يَصِحُّ البَيْعُ بَعْدَ الطَّلبِ لوُجُوبِ الدَّفْعِ بَل وَلوْ قِيل: لا يَصِحُّ بَيْعُهُ مُطْلقًا مَعَ عِلمِهِ بِاضْطِرَارِهِ لمْ يَبْعُدْ لأَنَّ بَذْلهُ لهُ وَاجِبٌ بِالثَّمَنِ فَهُوَ كَمَا لوْ طَالبَ الشَّفِيعُ بِالشُّفْعَةِ وَأَوْلى , لأَنَّ هَذَا يَجِبُ بَذْلهُ ابْتِدَاءً لإِحْيَاءِ النَّفْسِ , وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الشَّفِيعَ حَقُّهُ مُتَعَيَّنٌ فِي عَيْنِ الشِّقْصِ , وَهَذَا حَقُّهُ فِي سَدِّ الرَّمَقِ , وَلهَذَا كَانَ إطْعَامُهُ فَرْضًا عَلى الكِفَايَةِ فَإِذَا نَقَلهُ إلى غَيْرِهِ تَعَلقَ الحَقُّ بِذَلكَ الغَيْرِ وَوَجَبَ البَدَل عَليْهِ وَأَمَّا مَا تَعَلقَ بِهِ حَقٌّ مُجَرَّدٌ فَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ مَسَائِل مُتَعَدِّدَةٌ.
مِنْهَا: بَيْعُ النِّصَابِ بَعْدَ الحَوْل فَإِنَّهُ يَصِحُّ نَصَّ عَليْهِ لأَنَّ الوُجُوبَ إنْ كَانَ مُتَعَلقًا بِالذِّمَّةِ وَحْدَهَا فَلا إشْكَال وَإِنْ كَانَ فِي العَيْنِ وَحْدَهَا فَليْسَ بِمَعْنَى للشَّرِكَةِ وَلا بِمَعْنَى انْحِصَارِ الحَقِّ فِيهَا , وَلا تَجُوزُ المُطَالبَةُ بِالإِخْرَاجِ مِنْهَا عَيْنًا مَعَ وُجُودِ غَيْرِهَا , فَلا يَتَوَجَّهُ انْحِصَارُ الاسْتِحْقَاقِ فِيهَا بِحَالٍ.