وَللأَصْحَابِ وَجْهَانِ فِيمَا يُنْقَضُ فِيهِ حُكْمُ الجَاهِل وَالفَاسِقِ.
أَحَدُهُمَا: تُنْقَضُ جَمِيعَ أَحْكَامِهِ لفَقْدِ أَهْليَّتِهِ وَهُوَ قَوْل أَبِي الخَطَّابِ وَغَيْرِهِ.
وَالثَّانِي: تُنْقَضُ كُلهَا إلا مَا وَافَقَ الحَقَّ المَنْصُوصُ وَالمُجْمَعَ عَليْهِ وَيُنْقَضُ مَا وَافَقَ الاجْتِهَادَ لأَنَّهُ ليْسَ مِنْ أَهْلهِ وَهُوَ اخْتِيَارُ صَاحِبِ المُغْنِي وَيُشْبِهُ هَذَا القَوْل فِي الوَصِيِّ الفَاسِقُ إذَا قَسَّمَ الوَصِيَّةَ فَإِنْ أَعْطَى الحُقُوقَ لمُسْتَحِقٍّ مُعَيَّنٍ يَصِحُّ قَبْضُهُ لمْ يَضْمَنْهُ لأَنَّهُ يَجِبُ إيصَالهُ إليْهِ وَقَدْ حَصَل وَإِنْ كَانَ لغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَوَجْهَانِ.
وَمِنْهَا: الحُكْمُ بِإِسْلامِ مَنْ اُتُّهِمَ بِالرِّدَّةِ إذَا أَنْكَرَ وَأَقَرَّ بِالشَّهَادَتَيْنِ فَإِنَّهُ حُكْمٌ صَحِيحٌ وَإِنْ حَصَل التَّرَدُّدُ فِي مُسْتَنَدِهِ هَل هُوَ الإِسْلامُ المُسْتَمِرُّ عَلى مَا يَدَّعِيه أَوْ الإِسْلامُ المُتَجَدِّدُ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ مَا اُتُّهِمَ بِهِ.
وَقَدْ قَال الخِرَقِيِّ: وَمَنْ شهد عَليْهِ بِالرِّدَّةِ؟ فَقَال: مَا كَفَرْتُ فَإِنْ شَهِدَ أَنْ لا إلهَ إلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللهِ لمْ يَكْشِفْ عَنْ شَيْءٍ.
قَال فِي المُغْنِي: لأَنَّ هَذَا يَثْبُتُ بِهِ إسْلامُ الكَافِرِ الأَصْليِّ فَكَذَلكَ المُرْتَدُّ قَال وَلا حَاجَةَ فِي ثُبُوتِ إسْلامِهِ إلى الكَشْفِ عَنْ صِحَّةِ رِدَّتِهِ.
وَنَقَل مُحَمَّدُ بْنُ الحَكَمِ عَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ أَسْلمَ مِنْ أَهْل الكِتَابِ ثُمَّ ارْتَدَّ فَشَهِدَ قَوْمٌ عُدُولٌ أَنَّهُ تَنَصَّرَ أَوْ تَهَوَّدَ وَقَال هُوَ: لمْ أَفْعَل أَنَا مُسْلمٌ قَال: أَقْبَل قَوْلهُ وَلا أَقْبَل شَهَادَتَهُمْ وَذَكَرَ كَلامًا مَعْنَاهُ: أَنَّ إنْكَارَهُ أَقْوَى مِنْ الشُّهُودِ وَكَذَلكَ نَقَل عَنْهُ أَبُو طَالبٍ فِي رَجُلٍ تَنَصَّرَ فَأُخِذَ فَقَال لمْ أَفْعَل قَال: يُقْبَل مِنْهُ وَعَلل بِأَنَّ المُرْتَدَّ يُسْتَتَابُ لعَلهُ يَرْجِعُ فَيُقْبَل مِنْهُ فَإِذَا أَنْكَرَ بِالكُليَّةِ فَهُوَ أَوْلى بِالقَبُول وَليْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ ثَبَتَ عَليْهِ الرِّدَّةُ وَلا فِيهَا أَنَّهُ وَجَدَ مِنْهُ غَيْرَ إنْكَارِ الرِّدَّةِ.
وَأَمَّا مَسْأَلةُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَكَمِ فَفِيهَا أَنَّهُ قَال: أَنَا مُسْلمٌ وَذَلكَ يَحْصُل بِهِ الإِسْلامُ كَالشَّهَادَتَيْنِ وَظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ يَدُل عَلى أَنَّ إنْكَارَهُ يَكْفِي فِي الرُّجُوعِ إلى الإِسْلامِ وَلوْ ثَبَتَت عَليْهِ الرِّدَّةُ بِالبَيِّنَةِ وَهُوَ خِلافُ قَوْل أَصْحَابِنَا.
وَأَمَّا إنْ ثَبَتَ كُفْرُهُ بِإِقْرَارِهِ عَليْهِ ثُمَّ أَنْكَرَ فَفِي المُغْنِي يَحْتَمِل أَنْ لا يُقْبَل إنْكَارُهُ وَإِنْ سَلمْنَا فَلأَنَّ الحَدَّ هُنَا وَجَبَ بِقَوْلهِ فَيُقْبَل رُجُوعُهُ عَنْهُ. بِخِلافِ مَا ثَبَتَ بِالبَيِّنَةِ كَمَا فِي حَدِّ الزِّنَا.