فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 593

فَأَمَّا دُيُونُ اللهِ عَزَّ وَجَل كَالزَّكَاةِ وَالكَفَّارَةِ فَلا يَرْجِعُ بِهَا مَنْ أَدَّاهَا عَمَّنْ هِيَ عَليْهِ , وَعَلل القَاضِي ذَلكَ بِأَنَّ أَدَاءَهَا بِدُونِ إذْنِ مَنْ هِيَ عَليْهِ لا يَصِحُّ لتَوَقُّفِهَا عَلى نِيَّتِهِ وَيَلزَمُ عَلى هَذَا لوْ حَجَّ رَجُلٌ عَنْ مَيِّتٍ بِدُونِ إذْنِ وَليِّهِ وَقُلنَا يَصِحُّ أَوْ أَعْتَقَ عَنْهُ فِي نَذْرٍ أَوْ أَطْعَمَ عَنْهُ فِي كَفَّارَةٍ وَقُلنَا يَصِحُّ أَنَّ لهُ الرُّجُوعَ بِمَا أَنْفَقَ لسُقُوطِ اعْتِبَارِ الإِذْنِ هُنَا وَيَكُونُ كَأَدَاءِ أَحَدِ الخَليطَيْنِ الزَّكَاةَ مِنْ مَالهِ عَنْ الجَمِيعِ.

وَمِنْهَا: لوْ اشْتَرَى أَسِيرًا مُسْلمًا حُرًّا مِنْ أَهْل دَارِ الحَرْبِ ثُمَّ أَطْلقَهُ أَوْ أَخْرَجَهُ إلى دَارِ الإِسْلامِ فَلهُ الرُّجُوعُ إليْهِ بِمَا اشْتَرَاهُ بِهِ سَوَاءٌ أَذِنَ لهُ أَوْ لمْ يَأْذَنْ لأَنَّ الأَسِيرَ يَجِبُ عَليْهِ افْتِدَاءُ نَفْسِهِ ليَتَخَلصَ مِنْ الأَسْرِ فَإِذَا فَدَاهُ غَيْرُهُ فَقَدْ أَدَّى عَنْهُ وَاجِبًا رَجَعَ بِهِ عَليْهِ وَأَكْثَرُ الأَصْحَابِ لمْ يَحْكُوا فِي الرُّجُوعِ هَهُنَا خِلافًا وَحَكَى القَاضِي فِي كِتَابِ الرِّوَايَتَيْنِ فِيهِ رِوَايَةً أُخْرَى يَتَوَقَّفُ: الرُّجُوعُ عَلى الإِذْنِ. وَهَل يُعْتَبَرُ للرُّجُوعِ هَهُنَا نِيَّةٌ أَمْ يَكْفِي إطْلاقُ النِّيَّةِ؟ عَلى وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: تُعْتَبَرُ نِيَّةُ الرُّجُوعِ لقَضَاءِ الدُّيُونِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ القَاضِي.

وَالثَّانِي: يَرْجِعُ مَا لمْ يَنْوِ التَّبَرُّعَ وَبِهِ جَزَمَ فِي المُحَرَّرِ للأَثَرِ المَرْوِيِّ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. وَلأَنَّ انْفِكَاكَ الأَسْرَى مَطْلوبٌ شَرْعًا فَيُرَغَّبُ فِيهِ بِتَوْسِعَةِ طَرَفِ الرُّجُوعِ لئَلا تَقِل الرَّغْبَةُ فِيهِ.

وَمِنْهَا: نَفَقَةُ الرَّقِيقِ وَالزَّوْجَاتِ وَالأَقَارِبِ وَالبَهَائِمِ إذَا امْتَنَعَ مَنْ يَجِبُ عَليْهِ النَّفَقَةُ فَأَنْفَقَ عَليْهَا غَيْرُهُ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ فَلهُ الرُّجُوعُ كَقَضَاءِ الدُّيُونِ ذَكَرَهُ القَاضِي فِي خِلافِهِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي مُفْرَدَاتِهِ.

وَمِنْهَا: لوْ أَنْفَقَ عَلى عَبْدِهِ الآبِقِ فِي حَال رَدِّهِ إليْهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ نَصَّ عَليْهِ وَجَزَمَ بِهِ الأَكْثَرُونَ مِنْ غَيْرِ خِلافٍ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ جُعْلًا عَلى الرَّدِّ عِوَضًا عَنْ بَذْلهِ مَنَافِعَهُ فَلأَنْ يَجِبَ لهُ العِوَضُ عَمَّا بَذَلهُ مِنْ المَال فِي رَدِّهِ أَوْلى , وَاشْتَرَطَ أَبُو الخَطَّابِ وَصَاحِبُ المُحَرَّرِ العَجْزَ عَنْ اسْتِئْذَانِ المَالكِ وَضَعَّفَهُ صَاحِبُ المُغْنِي وَلا يَتَوَقَّفُ الرُّجُوعُ عَلى تَسْليمِهِ فَلوْ أَبِقَ مِنْهُ قَبْل ذَلكَ فَلهُ الرُّجُوعُ بِمَا أَنْفَقَ عَليْهِ نَصَّ عَليْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ وَصَرَّحَ بِهِ الأَصْحَابُ وَكَذَلكَ حُكْمُ المُنْقَطِعِ بِمَهْلكَةٍ وَحَكَى أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ أَبِي مُوسَى فِي الرُّجُوعِ بِنَفَقَتِهِ رِوَايَتَيْنِ , وَلوْ أَرَادَ اسْتِخْدَامَهُ بَدَل النَّفَقَةِ فَفِي جَوَازِهِ رِوَايَتَانِ حَكَاهُمَا أَبُو الفَتْحِ الحَلوَانِيُّ فِي الكِفَايَةِ كَالعَبْدِ المَرْهُونِ.

وَمِنْهَا: نَفَقَةُ اللقَطَةِ حَيَوَانًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا يُحْتَاجُ فِي حِفْظِهِ إلى مُؤْنَةٍ وَإِصْلاحٍ فَإِنْ كَانَتْ بِإِذْنِ حَاكِمٍ رَجَعَ بِهَا لأَنَّ إذْنَهُ قَائِمٌ مَقَامَ إذْنِ الغَائِبِ وَإِنْ لمْ يَكُنْ بِإِذْنِهِ فَفِيهِ الرِّوَايَتَانِ.

وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَجِّحُ هَاهُنَا عَدَمَ الرُّجُوعِ لأَنَّ حِفْظَهَا لمْ يَكُنْ مُتَعَيَّنًا بَل كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَيْعِهَا وَحِفْظِ ثَمَنِهَا وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّ المُلتَقِطَ إذَا أَنْفَقَ غَيْرَ مُطَوَّعٍ بِالنَّفَقَةِ فَلهُ الرُّجُوعُ بِهَا وَإِنْ كَانَ مُحْتَسَبًا ففِي الرُّجُوعِ رِوَايَتَانِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت