فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 593

وَالمُعْتَمَدُ عِنْدَ الأَصْحَابِ فِي المَسْأَلةِ هُوَ حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ , وَقَدْ احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ تَارَةً , وَقَال تَارَةً: مَا أَرَاهُ مَحْفُوظًا وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثًا آخَرَ مُرْسَلًا مِنْ مَرَاسِيل الحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ , وَقَال هُوَ شَيْءٌ لا يُوَافِقُ القِيَاسَ وفُرُوقٌ بَيْنَ زَرْعِ الغَاصِبِ وَغَرْسِهِ حَيْثُ يَقْلعُ غَرْسَهُ كَمَا دَل عَليْهِ قَوْلهُ:"ليْسَ لعِرْقٍ ظَالمٍ حَقٌّ"فَإِنَّ الزَّرْعَ يَتْلفُ بِالقَلعِ فَقَلعُهُ فَسَادٌ بِخِلافِ الغَرْسِ.

وَمِنْ الأَصْحَابِ مَنْ قَرَّرَ مُوَافَقَتَهُ للقِيَاسِ بِأَنَّ المُتَوَلدَ بَيْنَ أَبَوَيْنِ مَمْلوكَيْنِ مِنْ الآدَمِيِّينَ يَكُونُ مِلكًا لمَالكِ الأُمِّ دُونَ مَالكِ الأَبِ بِالاتِّفَاقِ مَعَ كَوْنِهِ مَخْلوقًا مِنْ مَائِهِمَا وَبُطُونُ الأُمَّهَاتِ بِمَنْزِلةِ الأَرْضِ وَمَاءُ الفُحُول بِمَنْزِلةِ البَذْرِ , وَلهَذَا سَمَّى النِّسَاءَ حَرْثًا وَ"لعَنَ النَّبِيُّ صَلى اللهُ عَليْهِ وَسَلمَ مَنْ سَقَى مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ"فَجَعَل الوَلدَ زَرْعًا وَهُوَ لمَالكِ أُمِّهِ وَسِرُّ ذَلكَ أَنَّ الحَيَوَانَ يَنْعَقِدُ مِنْ المَاءَيْنِ ثُمَّ يتعذى مِنْ دَمِ المَرْأَةِ فَأَكْثَرُ أَجْزَائِهِ مَخْلوقَةٌ مِنْ الأُمِّ كَذَلكَ البَذْرُ يَنْحَل فِي الأَرْضِ وَيَنْعَقِدُ الزَّرْعُ مِنْ التُّرْبَةِ وَالحَبَّةِ ثُمَّ يَتَغَذَّى مِنْ الأَرْضِ وَمَائِهَا وَهَوَائِهَا فَتَصِيرُ أَكْثَرَ أَجْزَائِهِ مِنْ الأَرْضِ.

وَإِنَّمَا خُيِّرَ مَالكُ الأَرْضِ بَيْنَ تَمَلكِهِ وَبَيْنَ أَخْذِ الأُجْرَةِ لأَنَّهُ قَابِلٌ لاسْتِيفَائِهِ بِعَقْدِ الإِجَارَةِ بِخِلافِ الإِيلادِ وَجَبْرِ حَقِّ صَاحِبِ البَذْرِ بِإِعْطَائِهِ قِيمَةَ بَذْرِهِ وَنَفَقَةَ عَمَلهِ حَيْثُ كَانَ مُتَقَوِّمًا بِخِلافِ مَا يُخْلقُ مِنْهُ الوَلدُ فَإِنَّهُ لا قِيمَةَ لهُ فَلذَلكَ لمْ يَجِبْ لأَحَدِ الأَبَوَيْنِ شَيْءٌ.

وَهَذَا مُطَّرِدٌ فِي جَمِيعِ المُتَوَلدَاتِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فِي الحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَالمَعْدِنِ حَتَّى لوْ أَلقَى رَجُلٌ فِي أَرْضِ رَجُلٍ شَيْئًا مِمَّا تُنْبِتُ المَعَادِنَ لكَانَ الخَارِجُ مِنْهُ لرَبِّ الأَرْضِ كَالنِّتَاجِ وَالزَّرْعِ وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ سَلكَهَا القَاضِي فِي خِلافِهِ وَابْنُ عَقِيلٍ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَهَذَا مُلخَّصٌ مِنْ كَلامِهِ.

القِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُؤْذَنَ لهُ فِي زَرْعِ شَيْءٍ فَيَزْرَعُ مَا ضَرَرُهُ أَعْظَمُ مِنْهُ كَمَنْ اسْتَأْجَرَ لزَرْعِ شَعِيرٍ فَزَرَعَ ذُرَةً أَوْ دُخْنًا فَحُكْمُهُ عِنْدَ الأَصْحَابِ حُكْمُ الغَاصِبِ لتَعَدِّيهِ بِزَرْعِهِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَنِدٍ إلى إذْنٍ وَالمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ عَليْهِ ضَمَانَ أُجْرَةِ المِثْل للزِّيَادَةِ وَلمْ يَذْكُرْ تَمَلكًا فَإِنَّ هَذَا الزَّرْعَ بَعْضُهُ مَأْذُونٌ فِيهِ وَهُوَ قَدْرُ ضَرَرِ المُسْتَأْجِرِ لهُ وَالزِّيَادَةُ عَليْهِ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهَا , وَهِيَ غَيْرُ مُتَمَيِّزَةٍ فَكَيْفَ يَتَمَلكُ المُؤَجِّرُ الزَّرْعَ كُلهُ.

وَقَدْ يَنْبَنِي ذَلكَ عَلى اخْتِلافِ الوَجْهَيْنِ فِي قَدْرِ الوَاجِبِ مِنْ الأُجْرَةِ هَل هُوَ الأُجْرَةُ المُسَمَّاةُ مَعَ تَفَاوُتِ مَا بَيْنَ الأُجْرَتَيْنِ مِنْ أُجْرَةِ المِثْل أَمْ الوَاجِبُ أُجْرَةُ المِثْل للجَمِيعِ حَيْثُ تَمَحَّضَ عُدْوَانٌ؟ وَالمَنْصُوصُ الأَوَّل وَهُوَ قَوْل الخِرَقِيِّ , وَالقَاضِي.

وَالثَّانِي: اخْتِيَارُ ابْنِ عَقِيلٍ وحكاه القَاضِي عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَكَلامُهُ فِي التَّنْبِيهِ مُوَافِقٌ الوَجْهَ الأَوَّل فعلى الوجه الأول لا يَتَوَجَّهُ أَنْ يَتَمَلكَ المُؤَجِّرُ الزَّرْعَ كُلهُ وَعَلى الثَّانِي يَتَوَجَّهُ ذَلكَ فَكَيْفَ جَزَمَ القَاضِي بِتَمَلكِهِ مَعَ اخْتِيَارِهِ للوَجْهِ الأَوَّل فِي الضَّمَانِ !؟

وَلوْ اسْتَأْجَرَ للزَّرْعِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً فَزَرَعَ فِيهَا مَا لا تَتَنَاهَى فِي تِلكَ المُدَّةِ ثُمَّ انْقَضَتْ فَقَال الأَصْحَابُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت