وَلكِنْ خَرَّجَ ابْنُ الزاغوني فِي الإِقْنَاعِ وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ لا ضَمَانَ عَلى الغَاصِبِ ; لأَنَّ الجِنَايَةَ مِنْ أَصْلهَا غَيْرُ قَابِلةٍ للتَّضْمِينِ لتَعَلقِهَا بِالرَّقَبَةِ المَمْلوكَةِ للمَجْنِيِّ عَليْهِ فَلا يَلزَمُ الغَاصِبَ شَيْءٌ مِنْهَا, وَلا يَلزَمُ مِثْلهُ فِي مُطْلقِ العَبْدِ ; لأَنَّهُ مُتَسَبِّبٌ إلى الإِتْلافِ فَإِذَا لمْ يُمْكِنْ إحَالةُ الضَّمَانِ عَلى المُبَاشِرِ أُحِيل عَلى المُتَسَبِّبِ صِيَانَةً للجِنَايَةِ عَلى مَال المَعْصُومِ عَنْ الإِهْدَارِ مَهْمَا أَمْكَنَ.
وَخَرَّجَ الآمِدِيُّ وَجْهًا آخَرَ أَنَّ جِنَايَةَ العَبْدِ عَلى سَيِّدِهِ مَضْمُونَةٌ عَليْهِ فِي ذِمَّتِهِ يُتَّبَعُ بِهَا بَعْدَ عِتْقِهِ.
وَهَهُنَا فَرْعٌ مُتَرَدَّدٌ فِيهِ بَيْنَ ضَمَانِ اليَدِ وَضَمَانِ الإِتْلافِ وَهُوَ مَا إذَا حَفَرَ بِئْرًا عُدْوَانًا أَوْ نَصَبَ شَبَكَةً أَوْ مِنْجَلًا للصَّيْدِ ثُمَّ مَاتَ ثُمَّ وَقَعَ فِي البِئْرِ حَيَوَانٌ مَضْمُونٌ أَوْ عَثَرَ بِآلاتِ الصَّيْدِ حَيَوَانٌ مَضْمُونٌ فَإِنْ جَعَلنَاهُ مِنْ بَابِ الإِتْلافِ ضَمِنَ مِنْ التَّرِكَةِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي المُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الفُصُول فِي بَابِ الرَّهْنِ حَتَّى قَالا: لوْ بِيعَتْ التَّرِكَةُ لفُسِخَ فِي قَدْرِ الضَّمَانِ مِنْهَا لسَبْقِ سَبَبِهِ.
وَلوْ كَانَتْ التَّرِكَةُ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ الوَرَثَةُ قَبْل الوُقُوعِ ضَمِنُوا قِيمَةَ العَبْدِ كَالمَرْهُونِ صَرَّحَ بِهِ القَاضِي فِي الخِلافِ وَإِنْ جَعَلنَاهُ مِنْ ضَمَانِ اليَدِ فَهَل يُجْعَل كَيَدِ المُشَاهَدَةِ بَعْدَ المَوْتِ, أَوْ يَجْعَل اليَدَ لمَنْ انْتَقَل المِلكُ إليْهِ يُحْتَمَل؟ عَلى وَجْهَيْنِ أَصْلهُمَا اخْتِلافُ الأَصْحَابِ فِيمَا لوْ نَصَبَ شَبَكَةً فَوَقَعَ فِيهَا صَيْدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ هَل هُوَ تَرِكَةٌ مَوْرُوثَةٌ جَعْلًا لهَا كَيَدِهِ المُشَاهَدَةِ أَوْ هُوَ مِلكٌ للوَرَثَةِ ; لأَنَّهَا صَارَتْ كَأَيْدِيهِمْ؟ وَاَلذِي صَرَّحَ بِهِ القَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ تَرِكَةٌ مَوْرُوثَةٌ وَقَال أَبُو الخَطَّابِ فِي الانْتِصَارِ: بَل هُوَ مِلكٌ للوَرَثَةِ بِانْتِقَال مِلكِ الشَّبَكَةِ إليْهِ كَمَا يَتَوَلدُ مِنْ النِّتَاجِ المَوْرُوثِ وَيُثْمِرُ مِنْ الشَّجَرِ وَأَمَّا فِي العُدْوَانِ المُجَرَّدِ فَيُحْتَمَل أَنْ يَنْقَطِعَ حُكْمُهُ بِمَوْتِهِ وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ ضَمَانُهُ مِنْ تَرِكَةِ المُتَعَدِّي لانْعِقَادِ سَبَبِهِ فِي حَيَاتِهِ , وَيُشْبِهُ ذَلكَ الخِلافَ فِيمَنْ مَال حَائِطُهُ فَطُولبَ بِنَقْضِهِ فَبَاعَهُ ثُمَّ سَقَطَ هَل يَسْقُطُ عَنْهُ الضَّمَانُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ سَبَقَ ذِكْرُهُمَا , وَهَل يَجِبُ الضَّمَانُ عَلى مَنْ انْتَقَل المِلكُ إليْهِ إذَا اسْتَدَامَهُ أَمْ لا؟ الأَظْهَرُ وُجُوبُهُ عَليْهِ كَمَنْ اشْتَرَى حَائِطًا مَائِلًا فَإِنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ البَائِعِ فِيهِ فَإِذَا طُولبَ بِإِزَالتِهِ فَلمْ يَفْعَل ضَمِنَ عَلى رِوَايَةٍ.
وَلوْ حَفَرَ عَبْدُهُ بِئْرًا عُدْوَانًا بِغَيْرِ إذْنِهِ ثُمَّ أَعْتَقَهُ ثُمَّ تَلفَ بِهَا مَالٌ أَوْ غَيْرُهُ فَفِي المُغْنِي الضَّمَانُ عَلى العَبْدِ لاسْتِقْلالهِ بِالجِنَايَةِ وَفِي التَّلخِيصِ هُوَ عَلى السَّيِّدِ بِقَدْرِ قِيمَةِ العَبْدِ فَمَا دُونَ لثُبُوتِهِ عَليْهِ قَبْل العِتْقِ بِذَلكَ فَقَدْ وُجِدَ السَّبَبُ فِي مِلكِهِ فَلا يَنْتَقِل وَهُوَ بَعِيدٌ.
ستَنْبِيهٌ لوْ أَتْلفَ الغَاصِبُ المَغْصُوبَ ضَمِنَهُ ضَمَانَ إتْلافٍ وَيَدٍ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلى أَنَّ مَنْ أَمْسَكَ صَيْدًا فِي الحَرَمِ ثُمَّ كَفَّرَ عَنْهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ أَنَّهُ يُجْزِيهِ وَهَذَا يَدُل عَلى أَنَّهُ جَعَلهُ ضَمَانَ يَدٍ وَإِلا لمَا جَازَ تَقْدِيمُ كَفَّارَةِ الإِتْلافِ عَليْهِ وَيَدُل أَيْضًا عَلى جَوَازِ تَقْدِيمِ الكَفَّارَةِ وَإِنْ كَانَ مُوجِبُهَا مَعْصِيَةً وَفِيهِ وَجْهٌ بِالمَنْعِ ذَكَرَهُ القَاضِي فِي تَعْليقِهِ;لأَنَّ التَّقْدِيمَ رُخْصَةٌ فَلا تُسْتَبَاحُ بِمُحَرَّمٍ.