َالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لا يَكُونَ التَّابِعُ مِمَّا لا يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالبَيْعِ كَبَيْعِ شَاةٍ لبُونٍ بِلبَنٍ أَوْ ذَاتِ صُوفٍ بِصُوفٍ وَبَيْعِ الثَّمَرِ بِالنَّوَى فَيَجُوزُ هَاهُنَا عِنْدَ القَاضِي فِي المُجَرَّدِ وَابْنِ حَامِدٍ وَابْنِ أَبِي مُوسَى وَمَنَعَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ وَالقَاضِي فِي خِلافِهِ , وَقَدْ حُكِيَ فِي المَسْأَلةِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ وَلعَل المَنْعَ يتَنزل عَلى مَا إذَا كَانَ الرِّبَوِيُّ مَقْصُودًا وَالجَوَازُ عَلى عَدَمِ القَصْدِ وَقَدْ صَرَّحَ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ القَصْدِ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ وَيَشْهَدُ لهُ تَعْليل الأَصْحَابِ كُلهِمْ الجَوَازَ بِأَنَّهُ تَابِعٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ.
وَاعْلمْ أَنَّ هَذِهِ المَسْأَلةَ مُنْقَطِعَةٌ عَنْ مَسَائِل: مُدِّ عَجْوَةٍ وَأَنَّ القَوْل بِالجَوَازِ لا يَتَقَيَّدُ بِزِيَادَةِ المُفْرَدِ عَلى مَا مَعَهُ.
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي بَيْعِ العَبْدِ الذِي لهُ مَالٌ بِمَالٍ دُون الذِي مَعَهُ وَقَالهُ القَاضِي فِي خِلافِهِ فِي مَسْأَلةِ العَبْدِ وَالنَّوَى بِالثَّمَرِ وَكَذَلكَ المَنْعُ فِيهَا مُطْلقٌ عِنْدَ الأَكْثَرِينَ , وَمِنْ الأَصْحَابِ مَنْ خَرَّجَهَا أَوْ بَعْضَهَا عَلى مَسَائِل مُدِّ عَجْوَةٍ فَفَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ المُفْرَدُ أَكْثَرَ مِنْ الذِي مَعَهُ غَيْرُهُ أَوْ لا وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ طَائِفَةٌ مِنْ الأَصْحَابِ كَأَبِي الخَطَّابِ وَابْنِ عَقِيلٍ فِي مَسْأَلةِ العَبْدِ ذِي المَال وَكَذَلكَ حَكَى أَبُو الفَتْحِ الحَلوَانِيُّ رِوَايَةً فِي بَيْعِ الشَّاةِ ذَاتِ الصُّوفِ وَاللبَنِ بِالصُّوفِ وَاللبَنِ أَنَّهُ يَجُوزُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ المُفْرَدُ أَكْثَرَ مِمَّا فِي الشَّاةِ مِنْ جِنْسِهِ وَلعَل هَذَا مَعَ قَصْدِ اللبَنِ وَالصُّوفِ بِالأَصَالةِ وَالجَوَازِ مَعَ عَدَمِ القَصْدِ فَيَرْتَفِعُ الخِلافُ حِينَئِذٍ وَاَللهُ أَعْلمُ.
وَإِنْ حُمِل عَلى إطْلاقِهِ فَهُوَ مُتَنَزِّلٌ عَلى أَنَّ التَّبَعِيَّةَ هَاهُنَا لا عِبْرَةَ فِيهَا وَأَنَّ الرِّبَوِيَّ التَّابِعُ لغَيْرِهِ فَهُوَ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ.
ومنها: إذَا بَاعَ رَجُلٌ عَبْدَيْنِ لهُ مِنْ رَجُليْنِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ المَبِيعَ يَقَعُ شَائِعًا بَيْنَهُمَا فَيَكُونُ لكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ كُل عَبْدٍ , وَلا يَتَخَرَّجُ هُنَا وَجْهٌ آخَرُ أَنْ يَكُونَ لكُل وَاحِدٍ عَبْدٌ ; لأَنَّهُ يَلزَمُ مِنْ ذَلكَ عَدَمُ تَعْيِينِ المَبِيعِ فَيَفْسُدُ البَيْعُ , نَعَمْ لوْ كَانَ العَقْدُ مِمَّا يَصِحُّ بِهِ مُبْهَمًا كَالوَصِيَّةِ وَالمَهْرِ وَالخُلعِ تَوَجَّهَ هَذَا التَّخْرِيجُ فِيهِ.
وَلوْ أَقَرَّ لرَجُلٍ بِنِصْفِ عَبْدَيْنِ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِعَبْدٍ مُعَيَّنٍ قُبِل بِخِلافِ مَا إذَا أَقَرَّ لهُ بِنِصْفِ هَذَيْنِ العَبْدَيْنِ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِأَحَدِهِمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّرْغِيبِ ; لأَنَّ الأَوَّل مُطْلقٌ فَيَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِمُعَيَّنٍ كَمَا لوْ قَال لزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالقٌ نِصْفَ تَطْليقَتَيْنِ فَإِنَّهَا تَطْلقُ وَاحِدَةً , وَأَمَّا إذَا أَوْصَى لهُ بِثُلثِ ثَلاثَةِ أَعْبُدٍ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ مِنْهُمْ اثْنَانِ فَهَل يُسْتَحَقُّ ثُلثُ البَاقِي أَوْ كُلهُ فِيهِ وَجْهَانِ.
وَهَذَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْهُ قَبُول التَّفْسِيرِ بِعَبْدٍ مُفْرَدٍ مَعَ التَّعْيِينِ وَليْسَ كَذَلكَ بَل حِرَّك هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أَنَّهُ هَل يَدْخُل العَبِيدُ وَنَحْوُهُمْ قِسْمَةَ الإِجْبَارِ أَمْ لا؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ وَالمَنْصُوصُ دُخُولهَا.
ومنها: إذَا رَهَنَهُ اثْنَانِ عَيْنَيْنِ أَوْ عَيْنًا لهُمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً عَلى دَيْنٍ لهُ عَليْهِمَا مِثْل أَنْ يَرْهَنَاهُ دَارًا لهُمَا عَلى أَلفِ دِرْهَمٍ لهُ عَليْهِمَا نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا عَلى أَنَّ أَحَدَهُمَا إذَا قَضَى مَا عَليْهِ وَلمْ يَقْضِ الآخَرُ أَنَّ الدَّارَ رَهْنٌ عَلى مَا بَقِيَ.
فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ جَعَل نَصِيبَ كُل وَاحِدٍ رَهْنًا بِجَمِيعِ الحَقِّ تَوْزِيعًا