وَمنها: لَوْ حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ لاَ خَرَجْت مِنْ بَيْتِهِ لِتَهْنِئَةٍ وَلاَ تَعْزِيَةٍ, وَنَوَى أَنْ لاَ تَخْرُجَ أَصْلًا, هَلْ يَحْنَثُ بِخُرُوجِهَا لِغَيْرِ تَهْنِئَةٍ وَلاَ تَعْزِيَةٍ؟ فَذَكَرَ الْقَاضِي فِي بَعْضِ تَعَالِيقِهِ أَنَّهُ تَوَقَّفَ فِيهَا, وَأَنَّ الْقَاضِي أَبَا الطَّيِّبِ الطَّبَرِيَّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ قَالَ لَهُ مُقْتَضَى مَذْهَبِكُمْ أَنَّهُ لاَ يَحْنَثُ; لاِنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ فِي الْخُرُوجِ, وَلاَ يُوجَدُ الْمَقْصُودُ فِي كُلِّ خُرُوجٍ, بِخِلاَفِ مَا إذَا قَصَدَ قَطْعَ الْمِنَّةِ, فَإِنَّ الْمِنَّةَ تُوجَدُ فِي غَيْرِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ.
قُلْت: وَالصَّوَابُ الْجَزْمُ بِالْحِنْثِ هَاهُنَا مُطْلَقًا, وَعَلَيْهِ يَدُلُّ نَصُّ أَحْمَدَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الأُولَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ هَاهُنَا, وَلاَ يُشْبِهُ هَذَا ما لو حلف لاَ يَلْبَسُ مِنْ غَزْلِهَا يَقْصِدُ قَطْعَ الْمِنَّةِ فَإِنَّهُ لاَ يَحْنَثُ بِالاِنْتِفَاعِ بِغَيْرِ الْغَزْلِ وَثَمَنُهُ مِنْ أَمْوَالِهَا; لاِنَّ الْعُمُومَ هُنَاكَ يُسْتَفَادُ مِنْ السَّبَبِ, وَهُنَا يُسْتَفَادُ مِنْ النِّيَّةِ فَهُوَ أَبْلَغُ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: فَصُوَرُهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
منها: أَنْ يَقُولَ نِسَائِي طَوَالِقُ وَيَسْتَثْنِي بِقَلْبِهِ وَاحِدَةً, أَوْ يَحْلِفُ لاَ يُسَلِّمُ عَلَى زَيْدٍ فَسَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ هُوَ فِيهِمْ وَيَسْتَثْنِيهِ بِقَلْبِهِ, وَوَقَعَ فِي كَلاَمِ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا يَقْتَضِي حِكَايَةَ رِوَايَتَيْنِ فِي حِنْثِهِ فِي مَسْأَلَةِ السَّلاَمِ, وَتَأَوَّلَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ, عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ هَلْ يُقْبَلُ مِنْهُ دَعْوَى إرَادَةِ ذَلِكَ أَمْ لاَ, قَالَ: وَقَدْ صَرَّحَا بِذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابَيْهِمَا.
وَلَوْ حَلَفَ لاَ يَدْخُلُ عَلَى فُلاَنٍ بَيْتًا فَدَخَلَ بَيْتًا هُوَ فِيهِ مَعَ جَمَاعَةٍ وَنَوَى بِدُخُولِهِ غَيْرَهُ, هَلْ يَحْنَثُ؟ خَرَّجَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ عَلَى وَجْهَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ السَّلاَمِ, قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: وَعِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ; لاِنَّ الدُّخُولَ فِعْلٌ حِسِّيٌّ لاَ يَتَمَيَّزُ بِخِلاَفِ السَّلاَمِ.
وَمنها: لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ لَبِسْت ثَوْبًا فَأَنْتِ طَالِقٌ, وَقَالَ أَرَدْت أَحْمَرَ, وَقَالَ: إنْ لَبِسْت فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ: أَرَدْت ثَوْبًا أَحْمَرَ وَقَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ أَرَدْت فِي هَذِهِ السَّنَةِ, فَالْجُمْهُورُ مِنْ الأَصْحَابِ عَلَى أَنَّهُ يَدِينُ فِي ذَلِكَ فِي قَبُولِهِ الْحُكْمَ رِوَايَتَانِ. وَشَذَّ طَائِفَةٌ فَحَكَوْا الْخِلاَفَ فِي تَدْيِينِهِ فِي الْبَاطِنِ; مِنْهُمْ الْحَلْوَانِيُّ وَابْنُهُ وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ مُفْرَدَاتِ ابْنِ عَقِيلٍ فِي الإِيمَانِ, وَكَذَلِكَ وَقَعَ لِلْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ, قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: وَهُوَ سَهْوٌ, وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي كِتَابِ الْحِيَلِ: إنَّهُ إنْ كَانَ الْمُخَصَّصُ بِالنِّيَّةِ مَلْفُوظًا صَحَّ تَخْصِيصُهُ وَإِلاَ فَلاَ. فَلَوْ حَلَفَ لاَ يَأْكُلُ شَيْئًا أَبَدًا وَنَوَى بِهِ اللَّحْمَ قُبِلَ, وَإِنْ حَلَفَ لاَ يَأْكُلُ وَنَوَى اللَّحْمَ لَمْ تَنْفَعْهُ نِيَّتُهُ; لاِنَّهُ خَصَّصَ مَا لَيْسَ فِي لَفْظِهِ, وَحَمَلَ حَنْبَلٌ اخْتِلاَفَ كَلاَمِ أَحْمَدَ فِي قَبُولِ دَعْوَى خِلاَفِ الظَّاهِرِ فِي الْيَمِينِ عَلَى اخْتِلاَفِ حَالَيْنِ لاَ عَلَى اخْتِلاَفِ قَوْلَيْنِ, وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ فِي فُرُوقِهِ: أَنَّ الْمَنْوِيَّ إنْ كَانَ يَرْفَعُ مُقْتَضَى الْحُكْمِ بِالْكُلِّيَّةِ كَالاِسْتِثْنَاءِ بِالْمَشِيئَةِ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ أَوْ حَيْثُ يَنْفَعُ لَمْ يَصِحَّ بِالنِّيَّةِ إلاَ مَعَ الظُّلْمِ, وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ عَلَى صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ