وَمنها: لَوْ قَتَلَ الْحَاكِمُ حَدًّا أَوْ قِصَاصًا بِشَهَادَةٍ ثُمَّ أَقَرَّ الشُّهُودُ أَنَّهُمْ تَعَمَّدُوا الْكَذِبَ فَالضَّمَانُ وَالْقَوَدُ عَلَيْهِمْ دُونَ الْحَاكِمِ. وَنَقَلَ أَبُو النَّصْرِ الْعِجْلِيّ عَنْ أَحْمَدَ إذَا رَجَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَرْجُومَ مَجْبُوبٌ فَالضَّمَانُ عَلَى الْحَاكِمِ وَهُوَ مُشْكِلٌ; لاِنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ كَذِبُهُمْ بِالْعِيَانِ فَهُوَ كَإِقْرَارِهِمْ بِتَعَمُّدِ الْكَذِبِ, وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْمَجْبُوبَ لاَ يُخْفَى أَمْرُهُ غَالِبًا فَالإِقْدَامُ عَلَى رَجْمِهِ لاَ يَخْلُو مِنْ تَفْرِيطٍ, وَبِأَنَّ الشُّهُودَ قَدْ يَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ فَلاَ يَتَحَقَّقُ تَعَمُّدُهُمْ لِلْكَذِبِ وَأَمَّا إنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الشُّهُودَ فَسَقَةٌ أَوْ كُفَّارٌ وَقُلْنَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ وَكَانَ الْحَقُّ لاِدَمِيٍّ فَالضَّمَانُ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ, وَإِنْ كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَهُ حَالَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: أَنْ يَسْتَنِدَ الْحَاكِمُ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ إلَى تَزْكِيَةِ مَنْ زَكَّاهُمْ وَفِيهِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهُمَا: الضَّمَانُ عَلَى الْمُزَكِّيَيْنِ قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْكَافِي وَالتَّرْغِيبِ; لاِنَّهُمْ أَلْجَئُوا الْحَاكِمَ إلَى الْحُكْمِ, وَالْحَاكِمُ فَعَلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ, وَالشُّهُودُ لاَ يَعْتَرِفُونَ بِبُطْلاَنهمِ شَهَادَتِهِمْ فَيَتَعَيَّنُ إحَالَةُ الضَّمَانِ عَلَى الْمُزَكِّيَيْنِ.
وَالثَّانِي: الضَّمَانُ عَلَى الْحَاكِمِ وَحْدَهُ قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ: لاِنَّهُ مُفَرِّطٌ بِالْحُكْمِ بِشَهَادَةِ مَنْ لاَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ, وَحُكْمُهُ يَخْتَصُّ بِالْمَحْكُومِ بِهِ, بِخِلاَفِ التَّزْكِيَةِ, فَإِنَّهَا لاَ تَخْتَصُّ ِالْمَحْكُومِ بِهِ.
وَالثَّالِثُ: يُخَيَّرُ الْمُسْتَحِقُّ بَيْنَ تَضْمِينِ مَنْ شَاءَ مِنْ الْحَاكِمِ وَالْمُزَكِّيَيْنِ وَالْقَرَارُ عَلَى الْمُزَكِّيَيْنِ قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ, لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ وَجْهِ تَغْرِيمِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَيُخَيَّرُ الْمُسْتَحِقُّ وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْمُزَكِّيَيْنِ لاِلْجَائِهِمْ الْحَاكِمَ إلَى الْحُكْمِ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ وَجْهٌ رَابِعٌ: أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى الشُّهُودِ كَمَا لَوْ رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ وَلاَ يَصِحُّ حِكَايَتُهُ عَنْهُ لِتَصْرِيحِهِ بِخِلاَفِهِ; وَهُوَ غَيْرُ مُتَّجِهٍ; لاِنَّهُمْ لَمْ يَعْتَرِفُوا بِبُطْلاَنِ شَهَادَتِهِمْ وَلاَ ظَهَرَ كَذِبُهُمْ, بِخِلاَفِ الرَّاجِعِينَ عَنْ الشَّهَادَةِ.
لَكِنْ ذَكَرَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ الْحُكْمُ وَيَضْمَنُ الشُّهُودُ وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا.
وَخَرَّجَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ ضَمَانَ الشُّهُودِ مِنْ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَا ثُمَّ بَانُوا فُسَّاقًا فَإِنَّهُمْ يُحَدُّونِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفُوا بِبُطْلاَنِ قَوْلِهِمْ, وَهَذَا تَخْرِيجٌ ضَعِيفٌ; لاِنَّ الشَّهَادَةَ بِالزِّنَا قَذْفٌ فِي الْمَعْنَى مُوجِبَةٌ لِلْحَدِّ فِي نَفْسِهَا, إلاَ أَنْ يُوجَدَ مَعَهَا كَمَالُ