وَمنها: لَوْ جَرَحَ عَبْدًا ثُمَّ أُعْتِقَ ثُمَّ مَاتَ مِنْ الْجُرْحِ, فَهَلْ يَضْمَنُ بِقِيمَتِهِ أَوْ بِدِيَتِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ, نَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ لاَ بِالدِّيَةِ, وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي خِلاَفِهِ وَنَصَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلاَفِ أَيْضًا.
وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْهُ فِيمَنْ ضَرَبَ بَطْنَ أَمَةٍ فَأُعْتِقَتْ ثُمَّ أَسْقَطَتْ جَنِينًا حَيًّا ثُمَّ مَاتَ هُوَ حُرٌّ وَعَلَيْهِ دِيَتُهُ; لاِنَّ الْعِتْقَ لاَ يَجِبُ إلاَ بِالْوِلاَدَةِ وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ, وَحَكَى عَنْهُ الْقَاضِي أَنَّهُ يَجِبُ أَقَلُّ الأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ أَوْ الدِّيَةِ. وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ الْقَاضِي أَنَّ ابْنَ حَامِدٍ أَوْجَبَ دِيَةَ حُرٍّ لِلْمَوْلَى منها أَقَلُّ الأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ أَوْ نِصْفِ الْقِيمَةِ وَالْبَاقِي لِوَرَثَتِهِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ احْتِمَالًا بِوُجُوبِ أَكْثَرِ الأَمْرَيْنِ مِنْ الْقِيمَةِ أَوْ الدِّيَةِ.
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّ الْمَنْصُوصَ فِي الذِّمِّيِّ إذَا أَسْلَمَ وُجُوبُ دِيَةِ مُسْلِمٍ وَفِي الْعَبْدِ إذَا عَتَقَ قِيمَةُ عَبْدٍ, ثُمَّ خَرَّجَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ, وَعَلَى الأَوَّلِ فَجَمِيعُ الْقِيمَةِ لِلسَّيِّدِ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي وَالأَصْحَابُ; لاِنَّ السِّرَايَةَ لاَ تَثْبُتُ مُنْفَرِدَةً وَإِنَّمَا تَجِبُ تَابِعَةً لِلْجِنَايَةِ وَقَدْ ثَبَتَ أَرْشُ الْجُرْحِ لِلسَّيِّدِ حِينَ كَانَ الْمَجْرُوحُ عَبْدًا لاَ يَمْلِكُ, فَتَتْبَعُ السِّرَايَةُ الْجِنَايَةَ وَيَكُونُ أَرْشُهَا لِمُسْتَحِقِّ أَرْشِ الْجِنَايَةِ وَهُوَ السَّيِّدُ, وَهَكَذَا لَوْ بَاعَهُ الْمَوْلَى بَعْدَ الْجُرْحِ ثُمَّ مَاتَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَالْقِيمَةُ كُلُّهَا لِلْأَوَّلِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَذَكَرَ ابْنُ الزاغوني فِي الإِقْنَاعِ فِيمَا إذَا قَطَعَ يَدَيْ عَبْدٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفَا دِينَارٍ فَأَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ ثُمَّ مَاتَ احْتِمَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الأَلْفَيْنِ بَيْنَ السَّيِّدِ وَالْوَرَثَةِ نِصْفَيْنِ تَوْزِيعًا لِلْقِيمَةِ عَلَى السِّرَايَةِ وَالْجِنَايَةِ. وَالثَّانِي: يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا أَثْلاَثًا; لاِنَّ لِلسَّيِّدِ مَا يُقَابِلُ الْيَدَيْنِ وَهُوَ كَمَالُ الدِّيَةِ, وَلِلْوَرَثَةِ كَمَالُ الدِّيَةِ وَهُوَ بِقَدْرِ نِصْفِ الْقِيمَةِ, وَلاَ قِصَاصَ عَلَى الْحُرِّ الْمُسْلِمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا, لاِنْتِفَاءِ الْمُكَافَأَةِ حَالَ الْجِنَايَةِ.
تَنْبِيهٌ: ذَكَرَ الْقَاضِي فِي خِلاَفِهِ أَنَّ رِوَايَةَ الضَّمَانِ بِدِيَةِ حُرٍّ نَقَلَهَا حَرْبٌ عَنْ أَحْمَدَ, وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ, وَزَادَ أَنَّ لِلسَّيِّدِ منها أَقَلُّ الأَمْرَيْنِ, وَلَمْ يَنْقُلُ حَرْبٌ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ, وَإِنَّمَا نَقَلَ أَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ قَوْلَ الزُّهْرِيِّ يَضْمَنُهُ بِقِيمَةِ مَمْلُوكٍ؟ فَقَالَ مَا أَدْرِي كَيْفَ هَذَا؟! وَلَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ, وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَنْكَرَ ضَمَانَهُ بِالْقِيمَةِ, وَإِنَّمَا نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَضْمَنُهُ بِدِيَةِ حُرٍّ كَامِلَةٍ بِاللَّفْظِ الَّذِي زَعَمَ الْقَاضِي أَنَّ حَرْبًا نَقَلَهُ.
وَمنها: لَوْ ضَرَبَ بَطْنَ أَمَةٍ حَامِلٍ فَأُعْتِقَتْ أَوْ جَنِينُهَا ثُمَّ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا, فَهَلْ يَضْمَنُهُ بِغُرَّةِ جَنِينٍ حُرٍّ أَوْ بِقِيمَةِ جَنِينِ أَمَةٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَكَذَلِكَ لَوْ ضَرَبَ بَطْنَ نَصْرَانِيَّةٍ حَامِلٍ بِنَصْرَانِيٍّ فَأَسْلَمَتْ ثُمَّ أَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا هَلْ يَضْمَنُهُ ضَمَانَ جَنِينٍ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ عَلَى الوَجْهَيْنِ.
وَمنها: لَوْ قَطَعَ يَدَيْ عَبْدٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفَانِ ثُمَّ سَرَتْ إلَى نَفْسِهِ وَمَاتَ وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ فَقَالَ الْقَاضِي فِي خِلاَفِهِ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَضْمَنُهُ بِأَلْفَيْنِ; لاِنَّ نُقْصَانَ الْقِيمَةِ كَنُقْصَانِ بَدَلِهِ بِالْحُرِّيَّةِ, وَقَدْ قُلْنَا يَضْمَنُ