فهرس الكتاب

الصفحة 418 من 593

بِالْكَلْبِ وَإِرْسَالِهِ مِنْ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ. قَالَ فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ مَتَى كَانَ أَحَدُهُمَا فِي الْحِلِّ وَالْآخَرُ فِي الْحَرَمِ فَلاَ ضَمَانَ وَلاَ يَصِحُّ لِوَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّصَّ فِي الْكَلْبِ، وَالْكَلْبُ لَهُ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ، فَإِذَا أَرْسَلَهُ فِي الْحَرَمِ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ وَكَّلَ عَبْدَهُ فِي الْحَرَمِ فِي شِرَاءِ صَيْدٍ مِنْ الْحِلِّ وَذَبَحَهُ فِيهِ. وَهَذَا بِخِلاَفِ مَا إذَا أَرْسَلَ سَهْمَهُ؛ لاِنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَى فِعْلِهِ، وَلِهَذَا فَرَّقَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ بَيْنَ أَنْ يُرْسِلَ سَهْمَهُ مِنْ الْحِلِّ إلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ فَيَدْخُلُ الْحَرَمَ فَيُقْتَلُ فِيهِ فَيَضْمَنُهُ، وَبَيْنَ أَنْ يُرْسِلَ الْكَلْبَ فَلاَ يَضْمَنُ؛ لاِنَّ دُخُولَ الْكَلْبِ إلَى الْحَرَمِ بِاخْتِيَارِهِ، وَدُخُولَ السَّهْمِ بِفِعْلِ الرَّامِي، وَلِهَذَا لَوْ أَصَابَ سَهْم هذا آدَمِيًّا لَضَمِنَهُ، وَلَوْ أَصَابَ الْكَلْبُ آدَمِيًّا لَمْ يَضْمَنْهُ، وَإِلَى هَذَا التَّفْرِيقِ أَشَارَ ابْنُ أَبِي مُوسَى حَيْثُ ضَمِنَ فِي رَمْيِ السَّهْمُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَلَمْ يَضْمَنْ فِي صَيْدِ الْكَلْبِ إذَا أَرْسَلَهُ فِي الْحِلِّ فَصَادَ فِي الْحَرَمِ، إلاَ أَنْ يُرْسِلَهُ بِقُرْبِ الْحَرَمِ، وَأَمَّا إنْ أَرْسَلَهُ فِي الْحَرَمِ فَصَادَ فِي الْحِلِّ فَحَكَى فِيهِ رِوَايَتَيْنِ قَالَ: وَالأَظْهَرُ عَنْهُ أَنَّهُ لاَ جَزَاءَ فِيهِ، وَلَكِنَّ الْقَاضِي إنَّمَا صَرَّحَ بِالْخِلاَفِ فِي الْكَلْبِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ هُوَ الَّذِي طَرَدَ الْخِلاَفَ فِي السَّهْمِ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا النَّصَّ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الضَّمَانِ فِيمَا إذَا أَرْسَلَ سَهْمَهُ مِنْ الْحَرَمِ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ؛ لاِنَّ صَيْدَ الْحِلِّ غَيْرُ مَعْصُومٍ فَلاَ يَصِحُّ إلْحَاقُ صَيْدِ الْحَرَمِ بِهِ، وَقَدْ فَرَّقَ طَوَائِفُ مِنْ الأَصْحَابِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ فَمِنْهُمْ مَنْ جَزَمَ بِنَفْيِ الضَّمَانِ فِيمَا إذَا أَرْسَلَ سَهْمَهُ مِنْ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ، وَبِالضَّمَانِ فِي الْعَكْسِ مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ حَكَاهُ فِيهِمَا، وَهُوَ فِي الْمُبْهِجِ لِلشِّيرَازِيِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَى الْخِلاَفَ فِيهِمَا، وَصَحَّحَ الْفَرْقَ وَهُوَ صَاحِبُ الْمُغْنِي، وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَى الْخِلاَفَ فِيمَا إذَا أَرْسَلَ سَهْمَهُ مِنْ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ وَلَمْ يُحْكَ الْخِلاَفُ فِي ضَمَانٍ عَكْسِهِ وَهُوَ الْقَاضِي فِي خِلاَفِهِ، وَأَخْذُ نَفْيِ الضَّمَانِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ الْمَذْكُورَةِ، وَالضَّمَانُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ أَيْضًا عَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ قَتَلَ صَيْدًا عَلَى غُصْنٍ فِي الْحِلِّ أَصْلُهُ فِي الْحَرَمِ أَنَّهُ يَضْمَنُهُ.

وَفِي أَخْذ الضَّمَانِ مِنْ هَذَا نَظَرٌ، فَإِنَّ الْغُصْنَ تَابِعٌ لِمَحِلٍّ مَعْصُومٍ وَهُوَ أَصْلُ الشَّجَرَةِ الَّذِي فِي الْحَرَمِ فَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْحَرَمِ بِخِلاَفِ الْحِلِّ، وَلِهَذَا لَمْ يُفَرِّقْ أَحْمَدُ بَيْنَ قَتْلِهِ مِنْ الْحِلِّ أَوْ مِنْ الْحَرَمِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْغُصْنِ عِنْدَهُ حُكْمُ الْحَرَمِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْهُ أَيْضًا وَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ سُفْيَانَ فِي شَجَرَةٍ أَصْلُهَا فِي الْحِلِّ وأغصانها في الحرم وعليها طير فرماه إنسان فصرعه قال: ما كان في الحل فليرم وما كان في الحرم فلا يرمي, قَالَ أَحْمَدُ: مَا أَحْسَنَ مَا قَالَ ! فَجَعَلَ الْقَاضِي هَذِهِ رِوَايَةً ثَانِيَةً مُخَالِفَةً لِلْأُولَى، وَحَكَى فِي الصَّيْدِ الَّذِي عَلَى غُصْنٍ فِي الْحِلِّ أَصْلُهُ فِي الْحَرَمِ رِوَايَتَيْنِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ أَحْمَدَ ضَمِنَ الصَّيْدَ فِي الْأُولَى إلْحَاقًا لِلْفَرْعِ بِأَصْلِهِ فِي الْحُرْمَةِ، وَلَمْ يَضْمَنْ فِي الثَّانِيَة إلْحَاقًا لِلْفَرْعِ بِأَصْلِهِ فِي عَدَمِ الْحُرْمَةِ، وَإِنَّمَا ضَمِنَ مَا كَانَ عَلَى الْغُصْنِ الذي في الحرم لأنه في هواء الحرم وهو معصوم بمحله وهو الحرم وجعل ابن أبي موسى الغصن تَابِعًا لِقَرَارِهِ مِنْ الأَرْضِ دُونَ أَصْلِهِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِنَصِّ أَحْمَدَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت