فهرس الكتاب

الصفحة 437 من 593

نَعَمْ ! وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ وَلاِنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّهُ مُعَيَّنٌ لَهُ الْقِصَاصُ فَيَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ إلَى مَالٍ كَمَا إذَا قُلْنَا هُوَ الْوَاجِبُ عَيْنًا. وَالثَّانِي: لاَ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْكَافِي وَالْمُحَرَّرِ؛ لاِنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ الدِّيَةِ بِاخْتِيَارِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ إلَيْهَا كَمَا لَوْ عَفَى عَنْهَا وَعَنْ الْقِصَاصِ. وَفَارِقٌ مَا إذَا قُلْنَا أَنَّ الْقَوَدَ هُوَ الْوَاجِبُ عَيْنًا؛ لاِنَّ الْمَالَ لَمْ يَسْقُطْ بِإِسْقَاطِهِ وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الَّذِي أَسْقَطَهُ هُوَ الدِّيَةُ الْوَاجِبَةُ بِالْجِنَايَةِ، وَالْمَأْخُوذُ هُنَا غَيْرُهُ وَهُوَ مَأْخُوذٌ بِطَرِيقِ الْمُصَالَحَةِ عَنْ الْقِصَاصِ الْمُتَعَيَّنِ.

الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ: الصُّلْحُ عَنْ مُوجِبِ الْجِنَايَةِ، فَإِنْ قُلْنَا هُوَ الْقَوَدُ وَحْدَهُ فَلَهُ الصُّلْحُ عَنْهُ بِمِقْدَارِ الدِّيَةِ وَبِأَقَلَّ وَأَكْثَرَ منها إذْ الدِّيَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ بِالْجِنَايَةِ وَكَذَلِكَ إذَا اخْتَارَ الْقَوَدَ أَوَّلًا ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْمَالِ وَقُلْنَا لَهُ ذَلِكَ فَإِنَّ الدِّيَةَ سَقَطَ وُجُوبُهَا وَإِنْ قُلْنَا أَحَدَ شَيْئَيْنِ فَهَلْ يَكُونُ الصُّلْحُ عَنْهَا صُلْحًا عَنْ الْقَوَدِ أَوْ الْمَالِ عَلَى وَجْهَيْنِ؟ يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِمَا مَسَائِلُ:

منها: هَلْ يَصِحُّ الصُّلْحُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ مِنْ غَيْرِ جِنْسهَا أَمْ لاَ؟ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الاِنْتِصَارِ لاَ يَصِحُّ لاِنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ بِالْعَفْوِ وَالْمُصَالَحَةِ فَلاَ يَجُوزُ أَخْذُ أَكْثَرَ مِنْ الْوَاجِبِ مِنْ الْجِنْسِ وَكَذَلِكَ قَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ يَصِحُّ على غَيْرُ جِنْسِ الدِّيَةِ وَلاَ يَصِحُّ عَلَى جِنْسِهَا إلاَ بَعْدَ تَعْيِينِ الْجِنْسِ مِنْ إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ حذارًا مِنْ رِبَا النَّسِيئَةِ وَرِبَا الْفَضْلِ، وَأَطْلَقَ الأَكْثَرُونَ جَوَازَ الصُّلْحِ بِأَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ. قَالَ فِي الْمُغْنِي: لاَ أَعْلَمُ فِيهِ خِلاَفًا وَصَرَّحَ السَّامِرِيُّ فِي فُرُوقِهِ بِجَوَازِ الصُّلْحِ بِأَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ. وَإِنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ أَحَدُ شَيْئَيْنِ وَعَلَّلَ بِأَنَّ الْقَوَدَ ثَابِتٌ فَالْمَأْخُوذُ عِوَضٌ عَنْهُ وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ فَجَازَ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ كَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ الْجَائِزَةِ. وَأَمَّا الْقَوَدُ فَقَدْ يُقَالُ إنَّمَا يَسْقُطُ بَعْدَ صِحَّةِ الصُّلْحِ وَثُبُوتِهِ وَأَمَّا مُجَرَّدُ الْمُعَاوَضَةِ فِي عَقْدِ الصُّلْحِ فَلاَ يُوجِبُ سُقُوطَهُ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُسْقِطُهُ بِعِوَضٍ فَلاَ يَسْقُطُ بِدُونِ ثُبُوتِ الْعِوَضِ لَهُ.

وَمنها: لَوْ صَالَحَ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ بِشِقْصٍ هَلْ يُؤْخَذُ بِالشُّفْعَةِ أَمْ لاَ؟ إنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ الْقَوَدُ عَيْنًا فَالشِّقْصُ مَأْخُوذٌ بِعِوَضٍ غَيْرِ مَالِيٍّ فَلاَ شُفْعَةَ فِيهِ عَلَى أَشْهَرِ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي وَالأَكْثَرِينَ خِلاَفًا لاِبِي حَامِدٍ، وَإِنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ أَحَدَ شَيْئَيْنِ فَهُوَ مَأْخُوذٌ بِعِوَضٍ مَالِيٍّ إذْ هُوَ عِوَضٌ عَنْ الدِّيَةِ لِتَعْيِينِهَا بِاخْتِيَارِ الصُّلْحِ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَالتَّلْخِيصِ وَكَذَلِكَ السَّامِرِيِّ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَهُوَ خِلاَفُ مَا قَرَّرَهُ فِي الْفُرُوقِ وَيَتَوَجَّهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ الصُّلْحُ عَنْ الْقَوَدِ أَنْ يُطْرَدَ فِيهِ الْوَجْهَانِ الأَوَّلاَنِ وَهُوَ وَقْفٌ عَلَى إطْلاَقِ الأَكْثَرِينَ.

وَمنها: لَوْ قَتَلَ عَبْدُهُ عَبْدًا مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ عَمْدًا فَصَالَحَ الْمَالِكَ عَنْهُ بِمَالٍ فَذَكَرَ الْقَاضِي فِي التَّخْرِيجِ أَنَّهُ إنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ الْقِصَاصُ عَيْنًا لَمْ يَصِرْ الْمَالُ الْمُصَالَحُ بِهِ لِلتِّجَارَةِ إلاَ بِنِيَّةٍ وَعَلَّلَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِوَضٍ عَنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت