خِلاَفِهِ بِالأَوَّلِ إنْ كَانَ الْوَارِثُ وَاحِدًا وَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّدًا انْقَسَمَ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ وَتَعَلَّقَ بِحِصَّةِ كُلِّ وَارِثٍ مِنْهُمْ قِسْطُهَا مِنْ الدَّيْنِ وَبِكُلِّ جُزْءٍ منها كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ إذَا رَهَنَهُ الشَّرِيكَانِ بِدَيْنٍ عَلَيْهِمَا.
وَالثَّانِيَةُ: هَلْ يَمْنَعُ هَذَا التَّعَلُّقُ مِنْ نُفُوذِ التَّصَرُّفِ؟ وَسَنَذْكُرُهُ.
وَالثَّالِثَة: هَلْ يَتَعَلَّقُ الدَّيْنُ بِعَيْنِ التَّرِكَةِ مَعَ الذِّمَّةِ؟ فِيهِ لِلْأَصْحَابِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا: يَنْتَقِلُ إلَى ذِمَمِ الْوَرَثَةِ قَالَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلاَفَيْهِمَا وَابْنُ عَقِيلٍ وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَهُ بِالْمُؤَجَّلِ وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّهُ بِالْقَوْلِ بِانْتِقَالِ التَّرِكَةِ إلَيْهِمْ. وَالثَّانِي: هُوَ بَاقٍ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَيْضًا وَالْآمِدِيُّ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ وَصَاحِبُ الْمُغْنِي وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الأَصْحَابِ فِي ضَمَانِ دَيْنِ الْمَيِّتِ. وَالثَّالِثُ: يَتَعَلَّقُ بِأَعْيَانِ التَّرِكَةِ فَقَطْ قَالَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَرُدَّ بِلُزُومِ بَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْمَيِّتِ فِيهَا بِالتَّلَفِ وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَلِهَذَا الاِخْتِلاَفِ فَوَائِدُ:
منها: نُفُوذُ تَصَرُّفِ الْوَرَثَةِ فِيهَا بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ فَإِنْ قُلْنَا بِعَدَمِ الاِنْتِقَالِ إلَيْهِمْ فَلاَ إشْكَالَ فِي عَدَمِ النُّفُوذِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالاِنْتِقَالِ فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لاَ يَنْفُذُ، قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي بَابِ الشَّرِكَةِ مِنْ كِتَابَيْهِمَا وَحَمَلَ الْقَاضِي فِي غَيْرِ الْمُجَرَّدِ رِوَايَةَ ابْنِ مَنْصُورٍ عَلَى هَذَا. وَالثَّانِي: يَنْفُذُ، قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ أَيْضًا فِي الرَّهْنِ وَالْقِسْمَةِ وَجَعَلاَهُ الْمَذْهَبَ وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُمْ التَّصَرُّفُ بِشَرْطِ الضَّمَانِ قَالَهُ الْقَاضِي قَالَ وَمَتَى خَلَّى الْوَرَثَةُ بَيْنَ التَّرِكَةِ وَبَيْنَ الْغُرَمَاءِ سَقَطَتْ مُطَالَبَتُهُمْ بِالدُّيُونِ وَنَصَبَ الْحَاكِمُ مَنْ يُوَفِّيهِمْ منها وَلَمْ يَمْلِكْهَا الْغُرَمَاءُ بِذَلِكَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ إذَا تَصَرَّفُوا فِيمَا طُولِبُوا بِالدُّيُونِ كُلِّهَا كَمَا نَقُولُ فِي سَيِّدِ الْجَانِي إذَا فَدَاهُ إنَّهُ يَفْدِيهِ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ بَالِغًا مَا بَلَغَ عَلَى رِوَايَةٍ، وَكَلاَمُ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ البرزاطي هَاهُنَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَسَنَذْكُرُهُ وَفِي الْكَافِي إنَّمَا يَضْمَنُونَ أَقَلَّ الأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ التَّرِكَةِ أَوْ الدَّيْنِ وَعَلَى الأَوَّلِ يَنْفُذُ الْعِتْقُ خَاصَّةً كَعِتْقِ الرَّاهِنِ. ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ وَحَكَى الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ فِي بَابِ الْعِتْقِ فِي نُفُوذِ الْعِتْقِ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالدَّيْنِ وَجْهَيْنِ، وَأَنَّهُ لاَ يَنْفُذُ مَعَ الْعِلْمِ وَجَعَلَ صَاحِبُ الْكَافِي مَأْخَذَهُمَا أَنَّ حُقُوقَ الْغُرَمَاءِ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالتَّرِكَةِ هَلْ يَمْلِكُ الْوَرَثَةُ إسْقَاطَهَا بِالْتِزَامِهِمْ الأَدَاءَ مِنْ عِنْدَهُمْ أَمْ لاَ؟ وَرِوَايَةُ ابْنِ مَنْصُورٍ السَّابِقَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لاَ يَمْلِكُونَ ذَلِكَ وَفِي النَّظَرِيَّاتِ لاِبْنِ عَقِيلٍ أَنَّ عِتْقَ الْوَرَثَةِ إنَّمَا يَنْفُذُ مَعَ يَسَارِهِمْ دُونَ إعْسَارِهِمْ اعْتِبَارًا بِعِتْقِ مَوْرُوثِهِمْ فِي مَرَضِهِ؛ لاِنَّ مَوْرُوثَهُمْ كَانَ مِلْكُهُ ثَابِتًا فِيهَا بِغَيْرِ خِلاَفٍ وَلاَ يَنْفُذُ عِتْقُهُ مَعَ الإِعْسَارِ فَلاَنْ لاَ يَنْفُذَ عِتْقُهُمْ مَعَ إعْسَارِهِمْ وَالاِخْتِلاَفِ فِي مِلْكِهِمْ أَوْلَى. وَهَلْ يَصِحُّ رَهْنُ التَّرِكَةِ عِنْدَ الْغُرَمَاءِ؟ قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ لاَ يَصِحُّ، وَعَلَّلَ بِأَنَّهَا كَالْمَرْهُونَةِ عِنْدَهُمْ بِحَقِّهِمْ، وَالْمَرْهُونُ لاَ يَصِحُّ رَهْنُهُ وَبِأَنَّ التَّرِكَةَ مِلْكٌ لِلْوَرَثَةِ فَلاَ يَصِحُّ رَهْنُ مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَعَلَى التَّعْلِيلِ الأَوَّلِ لاَ يَصِحُّ رَهْنُ الْوَرَثَةِ لَهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ، وَإِنْ قِيلَ: هِيَ مِلْكُهُمْ، وَعَلَى الثَّانِي يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ رَهْنُ الْمُوصَى لَهَا إذَا قُلْنَا لَيْسَتْ مِلْكًا لِلْوَرَثَةِ.