عَلَى رِوَايَتَيْنِ بَنَاهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الأَصْحَابِ عَلَى هَذَا الأَصْلِ فَإِنْ قُلْنَا التَّدْبِيرُ وَصِيَّةٌ صَحَّ تَقْيِيدُهَا بِصِفَةٍ أُخْرَى تُوجَدُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَإِنْ قُلْنَا عِتْقٌ بِصِفَةٍ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ. وَهَؤُلاَءِ قَالُوا: لَوْ صَرَّحَ بِالتَّعْلِيقِ فَقَالَ إنْ دَخَلْتَ الدَّارَ بَعْدَ مَوْتِي بِسَنَةٍ فَأَنْتَ حُرٌّ لَمْ يُعْتَقْ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ عَقِيلٍ فِي إشَارَتِهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا الْخِلاَفَ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى هَذَا الأَصْلِ فَإِنْ التَّدْبِيرَ وَالتَّعْلِيقَ بِالصِّفَةِ إنَّمَا يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ مَعَ الإِطْلاَقِ؛ لاِنَّ مُقْتَضَى الإِطْلاَقِ وُجُودُ الصِّفَةِ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ فَأَمَّا مَعَ التَّنْفِيذِ بِمَا يَمْنَعُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَتَنْفِيذٌ بِهِ وَمِنْ الأَصْحَابِ مَنْ جَعَلَ هَذَا الْعَقْدَ تَدْبِيرًا وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْفِي ذَلِكَ وَلَهُمْ فِي حِكَايَةِ الْخِلاَفِ فِيهِ أَرْبَعَةُ طُرُقٍ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَمنها: لَوْ كَاتَبَ مُدَبَّرَهُ فَهَلْ يَكُونُ رُجُوعًا عَنْ التَّدْبِيرِ؟ إنْ قُلْنَا التَّدْبِيرِ عِتْقٌ بِصِفَةٍ لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا، وَإِنْ قُلْنَا هُوَ وَصِيَّةٌ انْبَنَى عَلَى أَنَّ كِتَابَةَ الْمُوصَى بِهِ هَلْ تَكُونُ رُجُوعًا؟فِيهِ وَجْهَانِ أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ رُجُوعٌ وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ كِتَابَةَ الْمُدَبَّرِ لَيْسَتْ رُجُوعًا عَنْ تَدْبِيرِهِ وَنَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رُجُوعٌ.
وَمنها: لَوْ وَصَّى بِعَبْدِهِ ثُمَّ دَبَّرَهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ رُجُوعٌ عَنْ الْوَصِيَّةِ. وَالثَّانِي: لَيْسَ بِرُجُوعٍ فَعَلَى هَذَا فَائِدَةُ الْوَصِيَّةِ بِهِ أَنَّهُ لَوْ أَبْطَلَ تَدْبِيرَهُ بِالْقَوْلِ لاَسْتَحَقَّهُ الْمُوصَى لَهُ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ التَّدْبِيرَ هَلْ هُوَ عِتْقٌ بِصِفَةٍ أَوْ وَصِيَّةٌ؟ فَإِنْ قُلْنَا: هُوَ عِتْقٌ بِصِفَةٍ قُدِّمَ عَلَى الْمُوصَى بِهِ وَإِنْ قُلْنَا هُوَ وَصِيَّةٌ فَقَدْ ازْدَحَمَتْ وَصِيَّتَانِ فِي هَذَا الْعَبْدِ فَيَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْوَصَايَا الْمُزْدَحِمَةَ إذَا كَانَ بَعْضُهَا عِتْقًا هَلْ يُقَدَّمُ أَوْ يَتَحَاصَّ الْعِتْقُ وَغَيْرُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ فَإِنْ قُلْنَا بِالْمُحَاصَّةِ فَهُوَ كَمَا لَوْ دَبَّرَ نِصْفَهُ وَوَصَّى بِنِصْفِهِ وَيَصِحُّ ذَلِكَ عَلَى الْمَنْصُوصِ. انْتَهَى. وَقَدْ يُقَالُ الْمُوصَى لَهُ إنْ قِيلَ لاَ يَمْلِكُ حَتَّى يَقْبَلَ فَقَدْ سَبَقَ زَمَنُ الْعِتْقِ لِزَمَنِ مِلْكِهِ فَيَنْفُذُ وَإِنْ قِيلَ يَمْلِكُ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ فَقَدْ تقَارَنَ زَمَنُ مِلْكِهِ زَمَنَ الْعِتْقِ فَيَنْبَغِي تَقْدِيمُ الْعِتْقِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ عَتَقَ عَبْدَهُ بِبَيْعِهِ.
وَمنها: الْوَصِيَّةُ بِالْمُدَبَّرِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا لاَ تَصِحُّ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلاَفَيْهِمَا؛ لاِنَّ التَّدْبِيرَ الطَّارِئ إذَا أَبْطَلَ الْوَصِيَّةَ عَلَى الْمَشْهُورِ فَكَيْفَ يَصِحُّ طَرَيَان الْوَصِيَّةِ عَلَى التَّدْبِيرِ وَمُزَاحَمَتُهَا لَهُ؟! وَبَنَى الشَّيْخُ هَذِهِ الْمَسَائِلَ أَيْضًا عَلَى الْأُصُولِ السَّابِقَةِ.
وَمنها: وَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَتْبَعُهَا فِي التَّدْبِيرِ كَمَا وَلَدَتْهُ بَعْدَهُ سَوَاءٌ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ التَّعْلِيقِ أَوْ الْعِتْقِ أَوْ حَادِثًا بَيْنَهُمَا وَحَكَى الْقَاضِي فِي كِتَابِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَبَعِيَّةِ الْوَلَدِ رِوَايَتَيْنِ وَبَنَاهُمَا عَلَى أَنَّ التَّدْبِيرَ هَلْ هُوَ عِتْقٌ لاَزِمٌ كَالاِسْتِيلاَدِ؟ وَمِنْ هُنَا قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ تَبَعِيَّةُ الْوَلَدِ مَبْنِيٌّ عَلَى لُزُومِ التَّدْبِيرِ وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا أَنَّهُ لاَ يَتْبَعُهَا الْحَادِثَ بَيْنَهُمَا وَإِنَّمَا يَتْبَعُهَا إذَا كَانَ مَوْجُودًا مَعَهَا فِي أَحَدِهِمَا مِنْ حُكْمِ وَلَدِ الْمُعَلَّقِ عِتْقُهَا بِصِفَةٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّدْبِيرَ تَعْلِيقٌ بِصِفَةٍ فَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ يُخَرِّجَ طَرِيقَةً أُخْرَى أَنَّهُ لاَ يَتْبَعُهَا الْوَلَدُ الْحَادِثُ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ خِلاَفٍ وَإِنَّمَا كَانَ مَوْجُودًا فِي أَحَدِ الْحَالَيْنِ فَهَلْ يَتْبَعُهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُدَبَّرَ وَصِيَّةٌ وَحُكْمُ وَلَدِ الْمُوصَى بِهَا كَذَلِكَ وَعِنْدَ الأَصْحَابِ